أعلام

أبو عمر الزاهد .. الإمام العلامة اللغوي

أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة

أبو عمر الزاهد:-

محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الْمُطَرِّز البَاوَرْدِي، الزاهد، الإمام العلامة اللغوي، المحدِّث، فريد عصره بالحفظ، الملقب بغلام ثعلب؛ نسبةً إلى ثعلب أحد أئمة اللغة المشاهير، وُلِدَ أبو عمر الزاهد سنة 261هـ، والبَاوَرْدِي نسبة إلى بلدة بخراسان، يقال لها: باورد، وأباورد، وأبيورد، والْمُطَرِّز نسبة إلى تطريز الثياب، والتي كانت مهنته.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

صحب أبا العباس ثعلباً زماناً فعُرِفَ به، ونُسِبَ إليه، وأكثر من الأخذ عنه، وكان ينقل غريب اللغة وحواشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد بن السيد البَطَلْيَوْسِيُّ في كتاب «المثلث» عنه، وحكى عنه غرائب، وروى عنه أبو الحسن محمد بن رِزْقَوَيْهِ، وأبو علي بن شاذان، وغيرهم.

لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)

وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق، فلم يزل مُضيَّقاً عليه، وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يُكذِّبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة، ويقولون: “لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئاً”.

فأما روايته الحديث فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه؛ وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة يراجعها، حتى قيل: “إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة”؛ فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب.

فطنة غلام ثعلب وذكاؤه:-

وان يُسأَل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه، فيجيب عنه، ثم يُترَك سنةً ويُسأَل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه.
ومما جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه، فتذكروا في طريقهم عند قنطرة هناك إكثاره، وأنه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك، فقال أحدهم: أنا أُصحِّف له اسم هذه القنطرة وأسأله عنها، فانظروا ماذا يجيب؟ فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ ما القِبْطَرَة عند العرب؟ فقال: كذا وكذا، فتضاحكت الجماعة سراً، وتركوه شهراً، ثم قرروا مع شخص سأله عن القِبْطَرَة بعينها، فقال أبو عمر الزاهد: أليس سُئِلْت عن هذه المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها بكذا وكذا؟ فعجب الجماعة من فطنته وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره.

نوادره تشهد بإمامته في اللغة:-

كان معز الدولة بن بُوَيْه قد قلَّد شرطة بغداد لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الخبر، وكان يُملي كتاب «اليواقيت»، فلما جلس للإملاء قال: اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج في أصل لغة العرب: الجوع، ثم فرَّع على هذا باباً وأملاه، فاستعظم الناس ذلك من كذبه، وتتبعوه في كتب اللغة. قال أبو علي الحاتمي الكاتب اللغوي: أخرجنا في «أمالي الحامض»، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي: “الخواج: الجوع”.


وكان أبو عمر الزاهد يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى يوماً على الغلام نحواً من مائة مسألة في اللغة، وذكر غريبها، وختمها ببيتين من الشعر، وحضر أبو بكر ابن دُرَيْدٍ، وأبو بكر ابن الأنباري، وأبو بكر بن مِقْسَم؛ عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئاً وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئاً، وقال ابن مِقْسَم: مثل ذلك، واحتج باشتغاله بالقراءات، وقال ابن دُرَيْدٍ: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، ولا أصل لها ولا لشيء منها في اللغة، وانصرفوا، وبلغ أبا عمر ذلك، فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهداً من بعض تلك الدواوين، ويعرضه على القاضي؛ حتى استوفى جميعها، ثم قال له: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر بلفظه به.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن بن أحمد المعروف بابن مسلمة: “رأيت أشياء كثيرة مما استُنكِرَ على أبي عمر ونُسِبَ فيها إلى الكذب، فوجدتها مدونةً في كتب أهل اللغة، وخاصَّةً في «غريب المصنف» لأبي عُبَيد”.
  • قال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي: “لم يتكلم في علم اللغة أحدٌ من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد”.
  • قال ياقوت الحموي: “من أئمة اللغة، وأكابر أهلها، وأحفظهم لها”.
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
  • قال الذهبي: في «سير أعلام النبلاء»: “لازم ثعلباً في العربية، فأكثر عنه إلى الغاية، وهو في عداد الشيوخ في الحديث لا الحُفَّاظ، وإنما ذكرته؛ لِسَعَة حفظه للسان العرب، وصدقه، وعُلُوِّ إسناده”.

مصنفات غلام ثعلب:-

صنف العلّامة أبو عمر الزاهد الكثير من الكتب والمصنفات؛ من أشهرها:

  1. فائت الفصيح: وهو استدراك على كتاب «الفصيح» لأستاذه ثعلب.
  2. شرح الفصيح: شرح أبو عمر الزاهد فيه كتاب أستاذه ثعلب «الفصيح».
  3. الياقوتة: رسالة في غريب القرآن الكريم
  4. غريب الحديث: صنفه على «مسند الإمام أحمد بن حنبل».
  5. الجُرْجاني.
  6. الموضح.
  7. الساعات.
  8. يوم وليلة.
  9. المستحسن.
  10. العشرات.
  11. الشورى.
  12. البيوع.
  13. تفسير أسماء الشعراء.
  14. القبائل.
  15. المكنون والمكتوم.
  16. التفاحة.
  17. المداخل.
  18. النوادر.
  19. فائت العين.
  20. فائت الجمهرة.
  21. ما أنكرته الأعراب على أبي عبيدة فيما رواه أو صنفه.

وفاته:-

توفي العلّامة أبو عمر الزاهد يوم الأحد، 13 ذي القعدة، سنة 345هـ، ودُفِنَ يوم الإثنين ببغداد في الصفة التي تقابل معروفاً الكرخي، وبينهما عرض الطريق.

توفي العلّامة أبو عمر الزاهد سنة 345هـ، ودُفِنَ في بغداد
توفي العلّامة أبو عمر الزاهد سنة 345هـ، ودُفِنَ في بغداد

المصادر:

  • الأعلام (6/254).
  • سير أعلام النبلاء (15/508/رقم 288).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/241).
  • معجم الأدباء (6/2556/رقم 1073).
  • وفيات الأعيان (4/329/رقم 638).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى