أعلام

أبو عمرو بن العلاء .. إمام أهل البصرة في القراءات

أعلم الناس بالقراءات، والعربية، وأيام العرب والشعر

اسمه ونسبه:-

هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله المازنيّ النحوي المقرئ: أحد القراء السبعة المشهورين، اُختلِف في اسمه على واحد وعشرين قولاً، ذكرهم صاحب بغية الوعاة، وهي ” أبو عمرو ، زبان، جبر، جنيد، جزء، حماد، حميد، خير، ربان، عتيبة، عثمان، عريان، عقبة، عمار، عيار، عيينة، فائد، قبيصة، محبوب، محمد، يحيى”.

سبب الاختلاف في اسمه:-

أنه لجلالته لا يُسأل عنه ومألوف في المجتمعات العربية، إذ تغلب الكنية على الاسم، يرجح عبد الله محمد الأسطى أن اسمه: أبو عمرو وليس (زبان).

ويبدو أن سبباً أمنياً كان وراء إخفاء اسمه أيام اختفائه، ولم يسأل عنه بعد زوال الخوف، ثم شاع، يُذكر أن أبا عمرو “كان يتستر خوفاً من أن يبطش به الحجَّاج بن يوسف الثقفي“.

أسرته:-

كانت أسرته تقيم بمكة المكرمة عام 70 للهجرة، في تلك الفترة أعلن عبد الله بن الزبير معارضته للأمويين، وقد كلَّف الأمويون الحجاج بن يوسف بإنهاء المعارضة، وفي تلك الأحوال المضطربة سياسياً، كان أبو عمرو ينتقل مع أسرته بين مكة، والمدينة المنورة، والكوفة، والبادية خوفاً من بطش الحجاج الذي توفي عام (95) للهجرة.

 وتشير الرواية إلى مطاردة الحجاج لأتباع ابن الزبير حتى وفاته زمن الوراية، ولم يكُن أبو عمرو معارضاً سياسياً، بل كان أبوه كذلك على أرجح الآراء، ثم إن إقامة أسرته في مكة المكرمة وهي تنتسب إلى البصرة في تلك الفترة توجب الشك، ولو كان أبو عمرو معارضاً لكان فرحه بموت الحجاج أكثر، وقد يكون فرحه بسبب ارتباط قرار عودة الأسرة إلى موطنها الأصلي البصرة بخبر نهاية أمر الحجاج بالوفاة أو بغيرها.

 والأرجح أن أبا عمرو فَرِح لاهتمامه بقضايا اللغة، فقد جاءت شاهداً كان يبحث عنه لاختياره قراءة غرفة بفتخ الغين، في قوله تعالى: (إلَّا من اغترف غرفة بيده)، وبهذا يمكن القول بأن اختيار أبي عمرو لقراءة غرفة سبق الشاهد من اللغة.

الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

وكان عمره آنذاك خمساً وعشرين سنة، فقد ولِدَ أبو عمرو على الأرجح بمكة سنة سبعين للهجرة، وظهرت
لديه ميول مبكرة للعلم، قال أبو عمرو: “نظرت في العلم ولم أختن”، وكشف سعيد بن جبير تلك الميول،
فكان يحث أبا عمرو على الانضمام إلى مجالس الشيوخ، وترك مجالس الشباب، وقد أفاد من ظروف عدم
استقرار أسرته في تنمية تحصيله العلمي، إذ أُتيحَ له أن يتزود بالمعرفة من مصادرها الأساسية التي تنقل
بينها، وهي: الأخذ عن أهل البادية، والأخذ عن الشيوخ والعلماء المقيمين في الحواضر.

من تحلَّى بغيرِ مـــا هوَ فيــهِ ..

فضحَتْهُ شواهِدُ الامتحــانِ

أبو عمرو بن العلاء.

شيوخه:-

من شيوخه في مكة المكرمة: سعيد بن جبير الأزدي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة مولى بن عباس، وعطاء بن
رباح بن أسلم القرشي، وعكرمة بن خالد بن العاص المخزومي، وعبد الله بن كثير، ومحمد بن عبد الرحمن
بن محيصن السهمي، وحميد بن قيس الأعرج.

ومن شيوخه في المدينة المنورة: أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران، وأبو روح المدني يزيد بن رومان مولى الزبير، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي، وشيبة بن نصاح مولى أم سلمة.

ومن شيوخه في الكوفة: عاصم بن أبي النجود.

ومن شيوخه في البصرة: يحيى بن يعمر العدواني، ونصر بن عاصم الليثي، والحسن البصري، وعبد الله بن إسحاق الحضرمي.

وبهذا العدد يكون أبو عمرو أكثر القراء السبعة شيوخاً.

منزلته ومكانته:-

  • جاء في بغية الوعاة: “قال أبو عبيد: أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات، والعربية، وأيام العرب والشعر”.
  • وقال يونس: “لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء لكان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء
    كله في العربية، ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك إلا النبي صلى الله عليه وسلم”.
  • وقال ابن النديم في ترجمة أبي عمرو: “من الأعلام في القرآن”.
  • ويقول الذهبي: “برز في الحروف، وفي النحو، وتصدر للإفادة مدة، واشتهر بالفصاحة والصدق، وسعة العلم”.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع يتحدث عن أبو عمرو بن العلاء
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
  • وقال السيوطي: “كان إمام أهل البصرة في القراءات والنحو والعربية”.
  • ويقول أبو حيان: “له جحفلة من القراءات القرآنية تصور كثيراً من لهجات القبائل العربية التميمية
    والحجازية، حيث نشأ وتربى في البيئة الأولى، ودرس وتلقى عن أشياخ البيئة الثانية، والقراءات جاءت على
    لغة العرب قياسها وشاذها”.
  • قال أبو عُبيدة : دَخَلَ أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن عليِّ، وهوَ عَم السَّفَّاح، فسَألهُ عن شيءٍ فصدَقَهُ، فلم يُعجِبهُ ما قالهُ، فوَجدَ أبو عمرو في نفسهِ وخَرَجَ وهوَ يقول:

أنِفْـتُ مِـنْ الـذُّل عِنــدَ المُـلـــــوكْ .. وإن أكرموني وإن قرَّبوا

إذا مـا صَـدَقْتُهُمــو خِفْتُهُــمْ .. ويرضَــوْن مني بأَن يُكذَبوا

آثار أبي عمرو:-

جاء في بغية الوعاة: “وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف، ثم تنسَّك فأحرقها”.

مقولات مأثورة عنه:-

جمَعَ الجاحظ في مؤلفاته  بعض المقولات المأثورة عن  أبي عمرو بن العلاء، فيما يلي بعضها:

  • قال أبو عمرو بن العلاء:  “ما دخلْتُ على رجُلٍ قَطّ ولا مَرَرْتُ ببابِهِ، فرأيتهُ ينظُرُ في دفترٍ وجليسُه فارغُ اليَد، إلَّا اعتقَدْتُ أنَّهُ أفضلُ منهُ وأعْقَل”.
  • وقال أيضاً: “قيل لنا يوماً: إنَّ في دارِ فُلان ناسَاً قد اجتمعوا على سَوءة، وهُمْ جُلوسٌ على خميرةٍ لهُم ، وعندهُم طُنبورٌ، فتسوَّرْنَا عليهِم في جماعةٍ من رِجَال الحَي، فإذا فتىً جالسٌ في وَسَطِ الدَّار، وأصحابُه حولهُ، وإذا همْ بِيضُ اللِّحَى، وإذا هُوَ يقرأ عليهم دفتراً فيهِ شِعْر، فقالَ الذي سَعَى بهم: السَّوءة في ذلك البيت، وإنْ دخلتموهُ عثَرتم عليها!، فقُلْت: واللهِ لا أكتشفُ فتىً أصحابُهُ شيوخ، وفي يدِهِ دفترُ عِلْم، ولو كَانَ في ثوبهِ دمُ يحيى بن زكرياء!!”.

رواية قراءة أبي عمرو:-

 روى قراءة أبي عمرو: أبو عمر الدوري، وأبو شعيب صالح بن زياد السوسي، أخذا قراءته عن طريق يحيى بن المبارك اليزيدي.

وفاة أبي عمرو:-

عاش أبو عمرو بن العلاء أربعة وثمانين عاماً، وكانت وفاته في الكوفة، ورجح السيوطي أن تكون وفاته حدثت عام (154هـ).

المصادر:-

الفهرست لابن النديم، طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، أخبار النحويين البصريين للسيرافي، نزهة
الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات عبد الرحمن الأنباري، وفيات الأعيان وأنباء أنباء الزمان لصاحبه ابن خلكان ، تهذيب سير أعلام النبلاء للذهبي، غاية النهاية لابن الجزري، تهذيب التهذيب للعسقلاني، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي، الحيوان للجاحظ.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى