أعلام

أبو علي القالي .. الأمام في اللغة والأدب

قرأ النحو والعربية والأدب على ابن درستويه، والزجاج، والأخفش الصغير، ونفطويه، وابن دريد، وابن الأنباري

مولده ونشأته:-

هو أبو علي إسماعيل بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان، وجده سلمان مولى عبد الملك بن مروان الاموي، ولد بمنازجرد من ديار بكر سنة 288هـ، فنشا بها ورحل منها إلى العراق لطلب العلم والتحصيل.

كان شغف القالي بالعلم بدافعٍ ديني، وإلَّا فإن بيئته الأولى كانت دار حربٍ وليس فيها استقرار يشجع على نمو الحياة الفكرية.

وقد بقيت هذه المنطقة تشكو من قلة العلم والعلماء، وبعد نحو قرن؛ أوقَفَ ابن بلدته (أبو نصر المنازي) كُتُباً على مكتبات آمد وميافارقين، فظلَّت تحمل اسمه طيلة قرنين من الزَّمن.

كان إماماً في اللغة وعلوم الأدب، ولصيته الذائع فيها؛ دعاه الخليفة عبد الرحمن أشهر ملوك بني أمية بالأندلس لنشر علومه وآدابه، فحظي عنده حظوة كبرى، وفي قرطبة عاصمة الأندلس، أملى تصانيفه الممتعة، وكتبه القيمة التي لم يجاره في تأليفها أحد، بل أعجز بها من بعده، وفاق من تقدمه.

سبب تسميته القالي البغدادي:-

وأما سبب تسميته القالي ، فهو منسوب إلى قالي قلا _بلد من أعمال إرمينية_ قال القالي عن نفسه: “لما انحدرنا إلى بغداد كنا في رفقة كان فيها أهل قالي قلا، وهي قرية من قرى منازخرد، وكانوا يكرمون لمكانهم في الثغر، فلما دخلنا بغداد نسبت إليهم لكوني معهم، وثبت ذلك علي”.

وكانوا يسمونه البغدادي لطول مقامه فيها، ووصوله إليهم منها.

حياته العلمية وشيوخه:-

توجه إلى العراق وكان يومئذ مهد العلم ومنتدى الأدب، فدخل بغداد سنة 303 هـ فأكب على الدرس، وجد في التحصيل على علماء الحديث وجهابذة اللغة والرواية، فسمع بها الحديث من أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم ابن زفر العدوي، وأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي محمد يحيى بن محمد بن صاعد، ويوسف بن يعقوب القاضي، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وأخيه أبي عبيد، وأبي بكر بن مجاهد المقرئ وسواهم.

الزجَّاج أستاذ أبو علي القالي
الزجَّاج أستاذ القالي

وقرأ النحو والعربية والأدب على ابن درستويه، والزجاج، والأخفش الصغير، ونفطويه، وابن دريد، وابن الأنباري، وابن أبي الأزهر، وابن شقير، والمطرز، وابن قتيبة وغيرهم، وهم الذين تكررت روايته عنهم فيما يمليه.

نبوغه في اللغة وعلوم الأدب:-

مال أبو علي القالي بطبعه إلى اللغة وعلوم الأدب، فبرع فيها واستكثر منها، ونبغ نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وعده المؤرخون إماماً وثبتاً، وحجة ثقة، فوصفه الضبي في كتابه “بغية الملتمس” بقوله: ” كان إماماً في علم اللغة، متقدماً فيها، متقناُ لها،فاستفاد الناس منه وعولوا عليه، واتخذوه حجة فيها نقله، وكانت كتبه في غاية التقييد والضبط والإتقان.

وقد ألف في علمه الذي اختص به تآليف مشهورة على سعة علمه وروايته.

استدعاؤه من بغداد إلى الأندلس:-

أقام أبو علي القالي ببغداد خمساً وعشرين سنة ذاع فيها صيته، وعمت شهرته، ولما كان الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي رفع منار العلم والفنون في الأندلس، وأدخل فيها مفاخر كل جهة، وزينة كل بلد، يحترم العلماء ويجلهم، ويقدرهم أعظم تقدير، لأنهم روح الأمة وحياته، ويعمل على إنهاض أمته بنشر العلم لتسموا مراقي الفلاح، سمع بشهرة أبي علي القالي في اللغة والأدب فكتب إليه ورغبه في الوفود عليه لنشر علمه، والاستفادة من معارفه وعلومه، فلبى دعوته، وعند قدومه إليها استقبل استقبالاً عظيماً، كان ولي العهد “الحكم” ووزراء والده ووجوه رعيته في مقدمة المحتفين به.

فضل القالي على الحكم في حبه للعلم:-

قوى عند الحكم حب العلم حتى اشتدت رغبته في اقتناء الكتب، وبعدما اعتلى عرش الأندلس كان يبعث بالتجار إلى الأقطار ومعهم الأموال لشراء الكتب واستجلاب المصنفات من الأقاليم والنواحي، باذلاً فيها ما أمكن من الأموال مما لا ينفقه غيره، حتى جلب للأندلس ما يتعهده علماؤها مما كان يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة.

أبو علي القالي

هذا كتاب الأغاني بعث فيه لأبي الفرج الأصبهاني مصنفه بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخه
قبل أن يخرجه إلى العراق، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر عبد الحكم.

مؤلفات القالي:-

قبل البدء في ذكر مؤلفات أبي علي نذكر كلمة لابن بسام يعلم القارئ منها أنها بحق لم يجاره في تأليفها
أحد، وأنها أعجزت من بعده، وفاق بها من تقدمه.

قال ابن بسام في الذخيرة في ترجمة الصاعد: “وفد على المنصور ابن أبي عامر نجماً من المشرق غرب،
ولساناً عن العرب أعرب، وأراد المنصور أن يعفى به آثار أبي علي القالي، فألفى سيفه كهاما، وسحابه
جهاما، من رجل يتكلم بملء فيه، ولا يوثق بكل ما يذره ولا ما يأتيه”.

أما مؤلفاته القيمة وكتبه النفيسة، فقد ذكرها ياقوت في معجمه قال: “وانقطع بالأندلس بقية عمره وهناك
أملى كتبه، أكثرها عن ظهر قلبن منها:

  1. كتاب الأمالي، ولعله أشهر كتب القالي، أملاه من حفظه، في الأخمسة، في المسجد الجامع بالزهراء على بني ملول وغيرهم سنة 300 هجرية، ثمَّ أهداه للحاكم، وقد قُرِنَ “الأمالي” بكامل المبرِّد والبيان للتبيين للجاحظ وأدب الكاتب لابن قتيبة.
  2. كتاب المقصور والمدود، ولعله أقدم كتبه تأليفاً..
  3. كتاب الإبل ونتاجها وما تصرَّف منها ومعها، ويقع في خمسة أجزاء.
  4. كتاب حُلي الإنسان، ويُقال إن اسمه الأصلي هو خلق الأنسان.
  5. كتاب فعلت وأفعلت، وهو المضمار الذي ألَّف فيه شيخه ابن دريد، وعلى أساس كتاب الزجَّاج ألَّف القالي كتابه، وجعله ثلاثة أمثاله.
  6. كتاب مقاتل الفرسان، وسمَّاه السيوطي بـ “مقاتل العرب”.
  7. تفسير السبع الطوال.
  8. كتاب البارع.

وفاة القالي:-

توفي أبو علي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر، وقيل جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمائة، ليلة
السب لست خلون من الشهر المذكور، وصلى عليه أبو عبد الله الجبيري، ودفن بمقبرة متعة، ظاهر قرطبة
رحمه الله.

وقد بُنِيَت قبَّة على قبره، ورآها ابن جابر وذلك بعد مُضي قرنين ونصف على وفاة القالي، فقد روى ابن الطيلسان القاسم بن محمد القرطبي (توفي سنة 642 هجرية) أنَّه قرأ في لوحٍ قد سقَطَ من القُبَّة عند تهدُّمها هذين البيتين:

صلوا لحد قبري بالطَّريق وودعوا.. فليس لمن وارى التُّراب حبيبُ

ولا تدفنونـي بالعَــراء فربَّمــا بكــى .. إن رأى قبر الغريب غريبُ

المصادر:-

نفح الطيب، كشف الظنون، معجم الأدباء لياقوت الحموي، بغية الملتمس للضبي، مقدمة محقق الأمالي.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى