أعلامانفوجرافيكس

أبو عثمان المازني .. الأمام النحوي البصري

كان ورعاً زاهداً ثقةً مأموناً، وكان يُشبَّه بالفقهاء

أبو عثمان المازني:-

بكر بن محمد بن عثمان، أبو عثمان المازني البصري، أحد الأئمة في النحو، وهو من أهل البصرة، كان إمام عصره في النحو والأدب، ورعاً زاهداً ثقةً مأموناً، وكان يُشبَّه بالفقهاء، وكان إمامياً يرى رأي ابن مَيْثَمٍ ويقول بالإرجاء، وكان لا يناظره أحد إلا قطعه؛ لقدرته على الكلام.

هو من بني شيبان، ابن ذهل، وقيل: مولى بني سدوس، نزل في بني مازن فنُسِبَ إليهم.

تحصيله العلمي:-

كان المازني من فضلاء الناس ورواتهم وثقاتهم، وكان مُتخلِّقاً رفيقاً بمن يأخذُ عنه، فذكر محمد بن يزيد عنه قال: “قرأ عليَّ رجل كتاب سيبويه في مدَّةٍ طويلة، فلما بلغ آخره قال لي: أما أنت فجزاك الله خيراً، وأما أنا؛ فما فهمتُ حرفاً”.

وكان أبو العباس المبرِّد يصِف المازني بالحِذق بالكلام والنَّحو، قائلاً عنه: “وكانَ إذا ناظرَ أهلَ الكلام لم يستعِن بشيء من النحو، وإذا ناظرَ أهل النحوِ لم يستعِن بشيء من الكلام”.

أخذ أبو عثمان المازني الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه الفضل بن محمد اليزيدي، وأبو العباس الْمُبَرِّد وبه انتفع وله عنه روايات كثيرة، كما ناظر الأخفش في أشياء كثيرة فغلبه بالحجة.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني

اهتم المازني كثيراً بكتاب سيبويه في النحو، وكان يقول: “من أراد أن يُصنِّف كتاباً كبيراً في النحو بعد «كتاب سيبويه» فليستحِ”.

سُئل المازنيُّ عن أهل العلم، فقال: “أصحابُ القرآن فيهم تخليطٌ وضَعف، وأهل الحديث فيهم حَشوٌ ورقَاعة، والشُعراء فيهم هَوَجَ، والنُّحاة فيهم ثِقَل، وفي رواةِ الأخبارِ الظَّرف كلُّه، والعلم هو الفقه”.

نوادر المازني:-

روى الْمُبَرِّد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان المازني من ذلك، قال الْمُبَرِّد: فقلت له: جُعِلْتُ فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أُمكِّنَ منها ذمياً؛ غِيرةً على كتاب الله وحميةً له؛ قال الْمُبَرِّد: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العَرْجِي:

أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجْلاً.. رَدَّ السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

فاختلف من كان بالحضرة في إعراب رجلاً، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أباعثمان المازني لقَّنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإحضاره.

قال أبو عثمان المازني: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال: بَاسْمُكَ؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي؛ كيلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأُعْجِب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجْلاً… أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولِمَ ذلك؟ فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيداً ظلم، فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: ظلم، فيتم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم بنية يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ فقلت: طافت حولي وأنشدت وهي تبكي قول الأعشى:

أَبَانَا فلا رُمْتَ مِنْ عِنْدِنا.. فَإنَّــا بِخَـــيْرٍ إذَا لَــمْ تَـــرِمْ

أرانا إذا أَضْـمَرَتْكَ البِــلا.. دُ نُجْفَى وتُقْطَعُ مِنَّا الرّحِمْ

قال الخليفة العباسي الواثق بالله: فما قلت لها؟ قال النحوي أبو عثمان المازني: قلت لها ما قال جرير لابنته:

ثِقي بِاللَهِ لَيسَ لَهُ شَريكٌ.. وَمِن عِندِ الخَليفَةِ بِالنَجاحِ

قال: على النجاح، إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردني مكرماً، قال الْمُبَرِّد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائةً فعُوِّضنا ألفاً؟!.

وحدَّث أبو العباس المبرد قال: سمعت المازني يقول: معنى قولهم: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” أي إذا صنعت ما لا يُستحى من مثله فاصنع منه ما شئت، وليس على ما يذهب العوام إليه، قلت: وهذا تأويل حسن جداً.

ما قيل فيه:-

  • قال القاضي بكار بن قتيبة: “ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة والمازني، وكان في غاية الورع”.
  • قال تلميذه الْمُبرِّد: “لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان المازني بالنحو”.
  • قال أبو جعفر الطحاوي المصري الحنفي: ” سمعتُ القاضي بكَّار بن قُتيبة، رحمهُ الله، يقول: “ما رأيتُ نحويَّاً قطّ يشبه الفقهاء إلَّا حَبَّان بن هلال والمازني، يعني أبا عثمان”.
  • ذكره المبرِّد قائلاً: قال المازني: “قرأتُ على يعقوب بن إسحاق الحضرمي القرآن، فلمَّا ختمتُ رمَى إليَّ بخاتمه، وقال: خذهُ، ليس لك مِثل”.
  • قال الجاحظ في كتاب “البلدان” في سياق ذكر البصرة وفضائل رجالها: ” وفينا اليوم ثلاثة رجال نحويّون ليس في الأرض مثلهم، ولا يُدرَك مثلُهم- يعني في الاعتلال والاحتجاج والتقريب- منهم أبو عثمان بكر بن محمد المازني، والثاني العباس بن الفرج الرياشي، والثالث أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الزيادي، وهؤلاء لا يصاب مثلهم في شيء من الأمصار”.
الجاحظ أشاد بأبي عثمان المازني

كتب أبي عثمان المازني:-

  1. ما تلحن فيه العامة.
  2. التصريف.
  3. العروض.
  4. القوافي.
  5. الديباج في جوامع كتاب سيبويه.
  6. علل النحو.
  7. تفاسير كتاب سيبويه.
  8. الألف واللام.

وفاته:-

قال ابن الفرَّاء المصري: توفِّيَ المازني سنة تسع وأربعين ومائتين بالبصرة، بينما قال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب: توفي المازني سنة ست وثلاثين ومائتين.

الإدريسي يصف مدينة البصرة المشهورة بنحاتها الكبار

المصادر:

  • الأعلام (2/69).
  • البداية والنهاية (14/458).
  • العبر في خبر من غبر (1/353).
  • معجم الأدباء (2/757/رقم 266).
  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (12/12/رقم 1507).
  • وفيات الأعيان (1/283/رقم 118).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة، للسيوطي.
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق