أعلام

أبو عبد الله الفراوي .. الفقيه والمحدث المتفنن

كانت عليه سمة الصالحين، يُزيِّنه التواضع والتبذَّل في الملبس والعيش، نشأ بين الصوفية

أبو عبد الله الفراوي – اسمه ونشأته:

محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس، أبو عبد الله الصاعدي الفراوي النيسابوري، الملقب كمال الدين، الفقيه المحدث، وُلِدَ بنيسابور سنة 441هـ، وقيل: سنة 442هـ.

والفُرَاوي نسبة إلى فُرَاوَة، وهي بلدة قريبة من خوارزم، يقال لها: رباط فُرَاوَة، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون، وهو يومئذ أمير خراسان، وأصل الفُرَاوي منها، وقد انتقل أبوه منها إلى نيسابور.

أبو عبد الله الفراوي تتلمذ على أيدي علماء نيسابور

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

أبو عبد الله الفراوي هو فقيه الحرم ومُسْنِد خُراسان، البارع في الأصول والفقه، الحافظ للقواعد، المحدِّث المتفنن، المناظر الواعظ.

سمع الحديث سنة 447هـ وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، درس الأصول والتفسير على زين الإسلام القُشَيري، ثم اختلف إلى مجلس إمام الحرمين أبي المعالي الجُوَيني الفقيه الشافعي صاحب «نهاية المطلب»، وعلق عنه الأصول، وصار من جملة المذكورين من أصحابه.

خرج حاجاً إلى مكة المكرمة، وعُقِدَ له مجلس الوعظ ببغداد وسائر البلاد التي توجه إليها، وأظهر العلم بالحرمين، وعاد إلى نيسابور وقعد للتدريس بالمدرسة الناصحية، وقام بإمامة مسجد الْمُطَرّز المسجد الكبير بنيسابور، وعقد به مجلس الإملاء في الأسبوع يوم الأحد.

الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

وسمع «صحيح مسلم» من عبد الغافر الفارسي، و«صحيح البخاري» من سعيد بن أبي سعيد العيَار، وأبي سهل الحفصي، وسمع من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والحافظ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البَيْهَقِي، وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيري، وإمام الحرمين الجُوَيني، وتفرَّد برواية عدة كتب للحافظ البَيْهقي؛ مثل: «دلائل النبوة»، و«الأسماء»، و«الصفات»، و«البعث والنشور» و«الدعوات الكبيرة والصغيرة».

روى عنه: أبو سعيد السَّمعاني، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو سعد بن الصَّفَّار، وغيرهم الكثير؛ ولشده حفظه وتميزه وكثرة الآخذين عنه كان يقال في حقه: “لِلْفُرَاوِيِّ أَلْفُ رَاوٍ”، وقال السمعاني: سمعت عبد الرشيد بن علي الطبري بِمَرْو يقول: “الفُرَاوِي أَلفُ رَاوِي”.

تواضعه:

كان أبو عبد الله الفراوي على سمة الصالحين، يُزيِّنه التواضع والتبذَّل في الملبس والعيش، نشأ بين الصوفية، ووصل إليه بركة أنفاسهم، وكان يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه ويخدمهم بنفسه مع كبر سنه.

طرائفه ونوادره:

قال أبو عبد الله الفراوي : كنا نسمع «مسند أبي عَوَانَة» على القُشَيري، وكان يحضر رئيسٌ يجلس بجنب الشيخ، فغاب يوماً، وكان الشيخ يجلس وعليه قميص أسود خشن، وعِمامة صغيرة، وكنت أظن أن السماع على ذلك الْمُحْتَشَمَ، فشرع أبي في القراءة، فقلت: على من تقرأ والشيخ ما حضر؟ فقال: وكأنك تظن أن شيخك ذلك الشخص؟ قلت: نعم. فضاق صدره واسترجع، وقال: يا بني شيخك هذا القاعد، ثم أعاد لي من أول الكتاب.

أبو عبد الله الفراوي –أقوال العلماء فيه:

  • قال عنه الذهبي: “فقيه الحرم، راوي «صحيح مسلم» عن الفارسي، روى عن الكبار، ولقي ببغداد أبا نصر الزَّيْنَبِيّ، وتفرّد بكتبٍ كبارٍ، وصار مسند خراسان، وكان شافعياً مفتياً مناظراً، صحب إمام الحرمين مدة”.
  • وقال ابن كثير: “سمع الحديث الكثير على جماعةٍ من المشايخ بالآفاق، وتفقه وأفتى وناظر ووعظ، وكان ظريفاً، حسن الوجه، جميل المعاشرة، كثير التبسم، وأملى أكثر من ألف مجلس، ورحل إليه الطلبة من الآفاق”.
الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي
  • وقال ابن قاضي شهبة: “يُعرَف بفقيه الحرم؛ لأنه أقام بالحرمين مدة طويلة، ينشر العلم، ويسمع الحديث، ويعظ الناس، ويُذكِّرهم، أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القُشَيري، وتفقه بإمام الحرمين، وسمع من خلق كثير”.
  • وقال ابن السمعاني: “هو إمامٌ مُفْتٍ، مناظر، واعظ، حسن الأخلاق والمعاشرة، جواد، مكرم للغرباء، ما رأيت في شيوخنا مثله، وكان جواداً كثيرَ التبسم”.
  • وقال ابن عساكر: “إلى الفُرَاوي كانت رحلتي الثانية، وكان يُقْصَد من النواحي؛ لِمَا اجتمع فيه من عُلُوِّ الإسناد، ووفور العلم، وصحة الاعتقاد، وحسن الخلق، والإقبال بِكُلِّيَّتِهِ على الطالب”.

كتبه ومصنفاته:

  1. مجالس: أملاها في الوعظ، أكثر من ألف مجلس.
  2. أربعون حديثاً.
  3. كتاب في الفقه.

وفاته:

توفي أبو عبد الله الفراوي ضحوة يوم الخميس، 21 شوال، سنة 530هـ، عاش 90 سنة، صُلِّي عليه صباحاً، وما وصلوا به إلى المقبرة إلى بعد الظهر؛ من شدة الزِّحام، ودفن إلى جانب الإمام ابن خُزَيْمَة.

المصادر:

  • الأعلام (6/330).
  • البداية والنهاية (16/312).
  • سير أعلام النبلاء (19/615/رقم 362).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/157).
  • طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/312/رقم 281).
  • العبر في خبر من غبر (2/438).
  • الوافي بالوفيات (4/229).
  • وفيات الأعيان (4/290/رقم 622).
  • Book photo created by freepik – www.freepik.com

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى