أعلام

أبو عبد الله الحميدي .. المؤرخ الأندلسي

كان يكتب في الليل في حرِّ بغداد، ويجلس فِي إناء يتبرَّد بالماء

اسمه ونسبه:.

محمد بن أبي نصر فُتُوْح بن عبد الله بن حُمَيْد، أبو عبد الله الأَزْدي الحُمَيْدِي الأندلسي الْمَيُورْقِي، الحافظ والمؤرخ الأندلسي، أصله من قرطبة من رَبَضِ الرُّصافة، وهو من أهل جزيرة مَيُورْقَة، وُلِدَ بمَيُورْقَة قبل سنة 420هـ.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:.

لازم الإمام أبا محمد علي بن حزام الظاهري، وتتلمذ على يديه، وهو أكثر من الأخذ عنه واشتُهِر بصحبته، وروى عن أبي عمر يوسف بن عبد البَر صاحب كتاب «الاستيعاب»، وعن غيرهما من الأئمة.

سمع ببلده الكثير من العلماء، ثم رحل إلى المشرق سنة 448هـ، فحج وسمع بمكة المكرمة حرسها الله تعالى، وسمع بإفريقية ومصر كثيراً، وسمع بالأندلس والقيروان والشام والعراق، واستوطن بغداد.

أدرك بدمشق الخطيب أبا بكر الحافظ، وروى عنه، وروى الخطيب أيضاً عنه، ومن أشهر شيوخه أبو نصر علي بن ماكولا، وأبو عبد الله القُضَاعِي، وأبو إسحاق الحبَّال، وغيرهم.

الرحالة الإدريسي يصف دمشق التي قصدها الحميدي

روى عنه عنه: الحافظ أبو عامر العَبْدَرِي، ومحمد بن طَرْخَان التركي، ويوسف بن أيوب الهَمَذَانِيُّ الزاهد.

وبلغ من حرصه على جمع العلم أنَّه كان يكتب في الليل في حرِّ بغداد، ويجلس فِي إِجَّانَةٍ -إناء- يتبرَّد بالماء، وينسخ وهو على تلك الحالة.

كان ظاهريَّ المذهب، دؤوباً على طلب العلم، كثير الاطلاع، حافظاً ذكياً فطناً متقناً، موصوفاً بالنباهة والمعرفة، ورعاً، أخبارياً مُتفنِّناً، كثير التصانيف، حجة ثقة، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث، استفاد طلبة العلم كثيراً منه ومن كتبه.

مأثوراته:.

قال: “ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الهمم بها: كتاب العلل، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني، وكتاب المؤتلف والمختلف، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، وكتاب وَفَيَات الشيوخ وليس فيه كتاب؛ وقد كنْتُ أردت أن أجمع في ذلك كتاباً فقال لي الأمير: رتبه عل حروف المعجم بعد أن ترتبه على السنين”. قال أبو بكر بن طَرْخَان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات.

شعره:.

كان من الْمُقلِّين في الشعر، وكان ينشد هذه الأبيات لنفسه:

لقاءُ النَّاسِ ليس يفيدُ شيئاً … سوى الهذيان مِنْ قيل وقال

فأقلل مِنْ لِقاءِ النَّاسِ إلَّا … لأخذِ العِلمِ أو إصلاحِ حال

شعره يتسم بالزهد والتخفف من مظاهر الحياة

ومن شعره قوله:

طريقُ الزُّهدِ أفضَلُ ما طريقِ … وتقوى اللهِ تأديةُ الحقوقِ

فلا يَغْرُركَ من يُدعى صديقاً … فما فِي الأرضِ أعوَزُ من صديقِ

سألنا عن حقيقتِهِ قديماً … فقال سألتَ عن بيضِ الأنُوقِ

فثِق بالله يَكْفِكَ واستَعِنْهُ … يُعِنْكَ ودَعْ بنيَّاتِ الطريقِ

ما قيل فيه:.

قال شيخه علي بن ماكولا: “هو من أهل العلم والفضل والتيقظ … لم أرَ مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم”.

وقال الذهبي: “الإمام، القدوة، الأثري المتقن، الحافظ، شيخ المحدثين”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وقال يحيى بن إبراهيم السَّلَمَاسِي: قال أبي: “لم ترَ عيناي مثل الحُمَيدي في فضله ونبله، وغزارة علمه، وحرصه على نشر العلم، وكان ورعاً تقياً، إماماً في الحديث وعلله ورواته، متحققاً بعلم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة، فصيح العبارة، متبحراً في علم الأدب والعربية والتَّرَسُّل”.

كتبه ومصنفاته:.

  1. الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم.
  2. تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم
  3. جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس: ذكر في مقدمة كتابه أنه كتبه من حفظه، وقد طُلب منه ذلك ببغداد.
  4. أسماء رواة الحديث وأهل الفقه والأدب وذوي النباهة والشعر.
  5. التذكرة.
  6. الذهب المسبوك في وعظ الملوك.
  7. تسهيل السبيل إلى علم الترسيل.
  8. المتشاكه في أسماء الفواكه.
  9. نوادر الأطباء.

وفاته:.

توفي ببغداد ليلة الثلاثاء، 17ذي الحجة، سنة 488هـ، ودُفِنَ من الغد في مقبرة باب أبرز، بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصلى عليه الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي في جامع الخليفة بالقصر، وكان قد أوصى إلى الأَجَلِّ مظفر بن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر بن الحارث الحافي، فخالف وصيته، ودُفِنَ بباب أبرز، فرآه في المنام وهو يعاتبه ويقول: خالفت وصيتي؟! فنقله في صفر سنة 491هـ إلى مقبرة باب حرب، ودُفِنَ عند قبر بشر بن الحارث الحافي.

جانب من بغداد خلال الثلث الأول من القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

المصادر:.

الأعلام (6/327).

سير أعلام النبلاء (19/120/رقم 63).

الصلة في تاريخ أئمة الأندلس (530).

العبر في خبر من غبر (2/359).

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (19/476).

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (17/29/رقم 3654).

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (5/156).

وفيات الأعيان (4/282/رقم 616).

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق