أعلام

أبو صخر الهذلي .. الشاعر المادح للأمويين

لا تُحلل مضامينه الشعرية في العصر الإسلامي، ولا يستشهد بشعره..

أبو صخر الهذلي شاعر اشتهر بولائه للأمويين، ومدحه لهم، وله موقف مع ابن الزبير، فما هو؟ وما صحة هذه الرواية؟

أبو صخر الهذلي .. من هو ؟

هو عبد الله بن سلم السهمي أحد بني مرمض.

وذكر أبو الفرج الاصبهاني له ابنًا واحدًا وهو داوود الذي رثاه في إحدى قصائده.

وبعض الدارسين يعتبرون أبا صخر الهذلي من الشعراء الإسلاميين، ومع ذلك فلا تُحلل مضامينه الشعرية في العصر الإسلامي، ولا يستشهد بشعره، ولا يُدرس مع مجموعة من الشعراء لها خصائص فنية معينة.

وأما العصر الأموي، فلا يُدرس فيه موقفه من بني أمية، ولا تدرس حياته، ولا يأخذ عناية كباقي الشعراء، فبالرغم تغني الدارسين بقصيدة أبي صخر المشهورة:

أما والـذي أبكـى وأضحـك والـذي .. أمــات وأحـيـا والـذي أمــره الأمـــر

لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها .. بتاتًا لأخـرى الـدهـر ما طـلـع الفـجـر

وبالرغم من الاستشهاد بها في مختلف الكتب، وبالرغم من شهرته الواسعة، فلم يُهتم بالشاعر ولا بحياته، ولم نجد عنه في الكتب القديمة إلا النُزر اليسير، الذي لا يروي ظمأ الباحث، ويجعله يجوب مختلف الكتب، ويبحث في قصائد أبي صخر الهذلي لعله يهتدي إلى ومضة تنير طريقه في الدراسة والتحليل.

أبو صخر الهذلي مع عبد الله بن الزبير :-

لقد كان أبو صخر الهذلي محبًا لبني أمية متعصبًا لهم، وله مدائح كثيرة في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز، وغيرهم من بني أمية.

وله قصة شهيرة مع عبد الله بن الزبير، عندما ظهر الأخير على الحجاز، دخل عليه شاعرنا يطلب منه العطاء، فمنعه ابن الزبير لمعرفته أن هواه مع بني أمية، فقال له أبو صخر الهذلي :”علامَ تمنعني حقًا لي، وأنا امرؤ مسلم، ما أحدثت في الإسلام حدثًا” ، فقال له ابن الزبير :”عليك بني أمية فاطلب عندهم عطاءك”

قال “إذن أجدهم سباطًا أكفهم، سمحة أنفسهم، بذلاء لأموالهم، وهابين لمجتديهم، كريمة أعراقهم، شريفة أصولهم، زاكية فروعهم، قريبًا من رسول الله نسبهم وسببهم، ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ ولا أتباع، ولا هم في قريش كفقعة القاع، لهم السؤدد في الجاهلية، والملك في الإسلام، لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها، ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها، ليس من أحلافها الطيبين، ولا من ساداتها المطعمين ولا من جودائها الوهابين……. “

فغضب عبد الله بن الزبير حتى ارتعدت فرائصه، فأمر به إلى سجن عارم فحُبس هناك عام تقريبًا، حتى طلبت هذيل من ابن الزبير أن يعفو عنه، فتركه وأقسم أنه لن يعطيه عطاء مع المسلمين أبدًا.

صحة قصة الهذلي مع ابن الزبير:-

لقد اشتهرت هذا القصة شهرة كبيرة، لدرجة أن كثير ممن ترجم لأبي صخر لم يذكر غيرها، فهي موجودة في الأغاني وفي الباب الزاخر وغيرها من كتب الأدب واللغة، ولكن هل هذه الشهرة تعني أن القصة صحيحة؟

بالطبع لا، فالكتب القديمة كانت تُعنى بذكر كل ما ورد إليها من قصص سواء كانت ضعيفة أم صحيحة،  وتذكر إسناد تلك القصة، والناظر يقرأ القصة بسندها، فيحكم عليها بالصحة أو البطلان.

القصة من ناحية النظر:-

إن المتأمل لسيرة عبد الله بن الزبير ونشأته وحياته لا يمكنه التسليم بصحة هذه القصة على هذا النحو المذكور، فكيف بابن الزبير بن العوام الصحابي الجليل، وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر أن يمنع رجلًا مستحقًا للعطاء من حقه، لمجرد أن هواه مع بني أمية!

وكيف له أن يحبس الشاعر ويقسم ألا يعطيه عطاء مع المسلمين أبدًا، وهو حفيد أبي بكر الصديق!

إن هذه القصة لا تنسجم أبدًا مع ما عُرف عن ابن الزبير وعن ورعه وعلمه وتقواه لله، وروايته للحديث، وخشوعه في الصلاة، وبكائه من خشية الله.

وربما يكون سبب المنع أن أبا صخر الهذلي لم يكن فقيرًا مستحقًا، وقد فعل ذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عندما منع جرير وغيره من الشعراء عطائهم، لأنه رأى أن أموال المسلمين أمانة في عنقه، وأن هؤلاء الشعراء لا يستحقون العطاء، فليسوا من الفقراء ولا المساكين.

القصة من ناحية السند:-

روى هذه القصة يحيى بن أحمد بن الجون مولى بني أمية عن الفيض بن عبد الملك عن مولاه عن أبيه عن مسلمة بن الوليد القرشي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.

إذا أمعنا النظر في هذه الأسماء التي روت تلك القصة المشهورة، لوجدناها أسماء ولاؤها لبني أمية، فالرواة من بني أمية ومواليهم، وهذا يدفعنا للشعور بوجود نوع من التعصب والرغبة في إظهار ابن الزبير بمظهر الظالم.

وقد حاولت الرجوع إلى أحكام المحدثين عن هؤلاء الرواة، لعلي أهتدي إلى معرفة حقيقة هذه القصة، فما ظفرت سوى باثنين.

الوليد بن مسلم القرشي، الكنية: أبو العباس:-

قال عنه أحمد بن حنبل: كان رفاعًا، ومرة: كثير الخطأ، ومرة: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، ومرة: ليس لأحد أروى لحديث الشاميين منه وإسماعيل بن عياش، ومرة: ما رأيت من الشامين أعقل منه.

وأما ابن حجر فقال عنه : ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، وقال مرة: مشهور متفق على توثيقه في نفسه وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية

وأما الدارقطني فقال: يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديثه عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم مثل نافع وعطاء والزهري، فيسقط أسماء الضعفاء، ويجعلهم عن الأوزاعي عن عطاء يعني مثل عبد الله بن عامر الأسلمي، وإسماعيل بن مسلم.

أما عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم.

قال عنه أبو مسهر الغساني : ضعيف الحديث

وأما أحمد بن حنبل؛ فقال عنه: ليس هو من أهل الحفظ والإتقان.

وأما ابن حجر، فقال عنه: صدوق يخطئ، ومرة: لم يثبت عن أحمد تضعيفه، وليس له في البخاري سوى حديث واحد متابعة.

وبالتالي فإن أقل ما يمكن قوله عن هذه القصة إنها ضعيف،ولم تقع على هذا النحو أبدًا.

أبو صخر الهذلي مع عبد الملك بن مروان :-

بعد عام الجماعة، تولى عبد الملك بن مروان الخلافة، وعندما حج فقابل أبا صخر الهذلي، وقد كان سمع بقصته مع ابن الزبير، فقال له إن مولاته لبني أمية وحبه لهم أمر له قدره عندهم، وأنه علم بقصته، فاستأذنه أبو صخر الهذلي في إنشاد إحدى قصائده فأذن له، وفيها يقول:

عفت ذات عرق عصلها فرئامها … فدهناؤها وحش وأجلي سوامها

فأعطاه عبد الملك عطاءه، وأعطاه ما فاته لما كان ابن الزبير ظاهرًا على الحجاز.

يرثي عبد العزيز بن أسيد وهو حيٌّ:-

تكمن روعة المراثي في العواطف الصادقة والمشاعر الملتهبة، فهي في الغالب تصدر عن نفس مكلومة، وعين لا تجف دموعها، ولكن التحدي الأكبر عندما يرثي الشاعر شخصًا على قيد الحياة، فالشاعر يرثي وهو مطمئن القلب هادئ البال، يرثي وهو يبتسم أن المرثي لا يزال معه.

تجربة فريدة:-

في تجربة فريدة من نوعها طلب عبد العزيز بن أسيد من أبي صخر الهذلي، أن يرثيه وهو لا يزال حيًّا!

وقد حاول الشاعر التخلص من طلب الممدوح، ولكن دون جدوى.

فاستجمع الشاعر طاقاته الشعرية، وقدراته الإبداعية، وحاول أن يكتب القصيدة، بدأها بمقدمة غزلية استغرقت نحو 15 بيتًا، وليست هذه قصيدة الرثاء الوحيدة التي بدأت بالغزل، فقد رأينا دريد بن الصمة فعل ذلك من قبل، وكأن الشعراء هنا كانوا يقدرون تقاليد القصيدة العربية، فحتى في المراثي بدأوا بمقدمة غزلية.

وبعد تلك المقدمة بدأ الشاعر يصف فراق عبد العزيز الذي لا ينساه طوال الدهر، ثم يلبسه الصفات التي من المشهور أن تقال في مثل هذه الحال..

والقصيدة بوجه عام فيها إحساس بارد، ولا نرى فيها تأجج العواطف، ولا نحس بمرارة الفقد، ولا نجد فيها لوعة؛ وهذا دفع عبد العزيز لتقليل جائزة أبي صخر الهذلي.

لأنه شعر أن الشاعر عواطفه تجاهه باردة مثل القصيدة.

ولكنا نعتقد أن السبب في تلك البرودة، ليس عدم محبة أبي صخر الهذلي لعبد العزيز، وإنما أن من ذاق ليس كمن عرف، فمن ذاق الفقد وتجرع من آلامه، ليس كمن تخيله، وبخاصة وشاعرنا شاعر يعبر عن ما يحس، وليس من شعراء الصنعة ولا التصنع.

وفيها يقول:

أبا خالد نفسي وقت نفسك الردى … وكان بها من قبل عثرتك العثر

لتبكك يا عبد العزيز قلائص …. أضر بها نص الهواجر والزجر.

سمون بنا يجتبن كل تنوفة … تضل بها عن بيضهن القطا الكدر.

فما قدمت حتى تواتر سيرها … وحتى أنيخت وهي ظالعة دبر.

ومهما يكن فإن التجربة في حد ذاتها تستحق الإعجاب، لأنها فريدة من نوعها، ومميزة.

خصائص شعر أبي صخر الهذلي :-

  1. لقد كان أبو صخر الهذلي مثال للشاعر الصادق الذي ينظم كل ما يحس به بصدق شديد، جعل قصائده تدخل قلوب القراء بلا استئذان.
  2. كان للمرأة نصيب من شعره، وهو في حديثه عن المرأة مثل غيره من الشعراء الهذليين، يحترمها ويعطيها قدرها، وتحدث عن وصل النساء له لما كان شابًا، وإعراضهم عنه لما كبر في السن، كما وصف المرأة بالأوصاف التقليدية المشهورة.
  3. يظهر في شعره مثل غيره من المخضرمين الحديث عن الموت والحياة.
  4. يستخدم ما النافية التي اقترن خبرها بالباء على عادة شعراء هذيل.
  5. تكاد قصائده تكون معجمًا لأسماء الأماكن والبلدان التي ذهب إليها.
  6. ذكر في شعره بعض النساء اللاتي أحبهن حقيقة مثل: أم حسان، وأسماء، وغيرهما.
  7. في معادلة صعب أن تتكرر جمع أبو صخر الهذلي بين رقة المشاعر وغرابة الألفاظ، وكانت مفرداته بشكل عام تتجه نحو: المطر، والرمل، والسحاب، والعسل، وآثار السيول، وبطون الأودية، والرياح، والنحل.
  8. استعمال الأيمان بكثرة، وإبداعه في استعمال صيغ القسم؛ وهذه الظاهرة تدل على صدق الشاعر وإخلاصه، وإيمانه بما يقول.
  9. يذكر الطيف في بعض قصائده، وما جدد من أشواق وأشجان.

لقد أبى شعر أبي صخر الهذلي إلا أن ينصفه، ويحول اهتمام الدارسين والباحثين لإعادة البحث عن حياته ونشأته، ولعلنا نرى في السنوات المقبلة أثر هذه الدراسات، وما أظهرت من معلومات جديدة عن شاعرنا.

اقرأ ايضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:-

أولًا الكتب :

الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، ص 198 : 206 ، الجزء 24.

شعراء الدولة الأموية، الدكتور نور حمودي القيسي، ص 11: 30  ، مكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى.

ثانيًا المواقع :

1-http://hadith.islam-db.com/narrators/1807/%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%86-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85

2-http://hadith.islam-db.com/narrators/4586/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A8%D9%86-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى