أعلام

أبو سعيد السيرافي .. متصدر القراءات والنحو والكلام

قال عنه الذهبي: "كان وَافِرَ الجلالة، كثير التلامذة"

أبو سعيد السِيرافِي – التعريف بالشخصية:-

الحسن بن عبد الله بن المـَرْزُبَانِ، أبو سعيد السِيرافِي إمام في النحو والأدب، وُلِدَ في سِيراف الإيرانية سنة 284هـ، كان أبوه مجوسياً اسمه بُهزَاد فأسلم، وسُمِّي عبد الله، تفقَّه في عُمان، ثم سكن أبو سعيد بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف، وكان نزيهاً عفيفاً، جميل الأمر، حسن الأخلاق.

وقد وصف ياقوت الحموي، بلدة سيراف وذلك في “معجم البلدان” قائلاً: “وهي مدينة جليلة على ساحل بحر فارس كانت قديما فرضة الهند ، وقيل : كانت قصبة كورة أردشير خرّه من أعمال فارس ، والتُجَّار يسمونها شيلاو ، بكسر الشين المعجمة ثمّ ياء مثناة من تحت وآخره واو صحيحة”.

أبو سعيد السِيرافِي – المكانة العلمية:-

تصدَّر أبو سعيد لإقراء القراءات، والنحو، واللغة، والعروض، والفقه، والفرائض، والحساب، والكلام، والشعر، وكان رأساً في النحو، وأعلم الناس بنحو البصريين، بصيراً بمذهب أبي حنيفة، قرأ القرآن على ابن مجاهد، وأخذ اللغة عن ابن دُرَيْد، والنحو عن أبي بكر بن السَّراج، وشرح «كتاب سيبويه» فأجاد فيه، وكان ورعاً يأكل من النَّسخ، وكان ينسخ الكراس بعشرة دراهم؛ لبراعة خطه، وكان يُذكَر عنه الاعتزال، ولم يظهر منه شيء.

كان أبو سعيد السِيرافِي عدة مناظرات، منها تلك التي عقدها أمام جمهرة من العلماء ضد أبو بشر متى بن يونس في عام 320 هـ/932، ومقابل أبو الحسن عامري في 364هـ. في المناظرة الأولى، دافع عن مقولته أن النحو أرقى من المنطق لأداة للفصل بين الحق والباطل؛ وقد روى التوحيدي المناظرة، والتي نقلها عنه ياقوت الحموي.

السيرافي يشرح كتاب سيبويه:-

حظي كتاب سيبويه (أبو النحو العربي) بمكانةٍ رفيعة، انطلاقاً من مكانةِ وعلم صاحبه، واستناداً لأهمية هذا العلم الذي قال عنه الجاحظ: “يبسط من العي اللسان، ويجزي من حصّر البيان، وبه يسلم من هجنة اللحن، وتخريف العقول، وهو آلة لصواب المنطق، وتسديد لكلام العرب”.

إذا، فقد تبوأ هذا الكتاب مكانةً خاصة جعلته يتربع بلا منازع على قمَّة علم النحو، ذلك لأنه أول من سجَّل قواعد النحو العربي، وأرسى أُسُسَ معالم واتجاهاته.

ومن هنا، تأتت أيضاً أهمية كتاب “شرح كتاب سيبويه” لأبي سعيد السيرافي، ذلك لأنه أقدمُ شرح من نوعه وصل إلينا، فكان محور اهتمام الباحثين من أقصى العالم إلى أدناه.

سيبويه.. علامة فارقة في تاريخ النحو واللغة العربية

وللمستشرق الألماني يان؛ قصب السبق في نشر مقتطفات من شرح السيرافي، وذلك عندما نقل كتاب سيبويه إلى اللغة الألمانية، وهي ذات المقتطفات التي استعانت بها مطبعة بولاق المصرية حينما نشرت كتاب سيبويه.

على أن “شرح السيرافي” لم يَرَّ النور الذي أضاءه المستشرق الألماني المذكور، حيث استمرت النسخ المخطوطة لشرحه حبيسة الأسر لعقود طويلة، إلى أن استدركت ذلك الأوساط البحثية وذلك خلال الثلث الأخير من القرن العشرين.

أقوال العلماء في أبي سعيد:-

  • قال الخطيب البغدادي: “كان رحمه الله زاهداً ورعاً، لم يأخذ على الحكم أجراً، إنما كان يأكل من كسب يمينه، فكان لا يخرج إلى مجلس الحُكم ولا إلى مجلس التدريس حتى ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، تكون بقدر مؤونته، ثم يخرج إلى مجلسه”.
  • قال عنه الذهبي: “كان وَافِرَ الجلالة، كثير التلامذة”.
  • تعرَّض ابن النديم في “الفهرست” –الذي تم تأليفه عام 377هجري- لشخص ومكانة أبي سعيد السيرافي، قائلاً: “قال الشيخ أحمد، أمدَّهُ الله: أبو سعيد الحسن بت عبد الله بن المرزبان، وأصله من فارس، مولده بـ(سيراف)، وفيها ابتدأ بطلب العلم، وخرج عنها قبل العشرين من عمره، ومضى إلى عُمان وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف، ومضى إلى العسكر، فأقام بها مدةً ولقي محمد بن عمر الصيمري المتكلِّم، وكان يقدِّمه ويفضِّله على جميع أصحابه”.
السيرافي قصد عُمان للتعلُّم

وأضاف ابن النديم في سياقِ حديثه عن السيرافي “وكان فقيهاً على مذاهب العلماء العراقيين، وخلف القاضي أبا محمد بن معروف على قضاء الجانب الشرقي، وكان أستاذه في النحو، ثم الجانبين، وكان الكرخي الفقيه يقدِّمه ويفضَّله، وعَقَد لهُ حلقةً يُفتي بها، ومولده قبل التسعين، وتوفي في رجب لليلتين خلتا من سنة ثمان وستين وثلاث مائة”.

  • قال عنه تلميذه أبو حيان التوحيدي في كتابه “تقريظ الجاحظ”: “أبو سعيد السيرافي، شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة، معرفةً بالنحو والفقه، واللغة، والشعر، والعروض، والقوافي، والقرآن، والفرائض، والحديث، والكلام، والحِساب، والهندسة، أفتى في جامع الرُّصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجِدَ له خطأ، ولا عتر منه على زلَّة، وقضى ببغداد، وشرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة بخطِّه فما جاراه فيه أحد، ولاسبقه إلى تمامه إنسان، هذا مع الثقة والديانة والأمانة في الرواية، صامَ أربعين سنة وأكثر الدهر كله”.
  • وقال عنه أحمد أمين في “ظهر الإسلام”: “السيرافي كان أشبه بالمُحافِظين، يروي ما يَسْمَع، ويحفَظ ما يروي على كثرة ما يروي وما يحفَظ في ثقةٍ وأمانة.. وقد كان أبو سعيد -وهو في بغداد- مقصِد الأُمَراء والعُظَماء في الأمصار المُختلفة يسألونه عمَّا أشكل عليهم..”.

أبو سعيد السيرافي – أساتذته:-

  • أبو بكر محمد بن علي، المشهور بمبرمان.
  • أبو بكر بن دريد.
  • أبو بكر بن مجاهد (عالم القراءات).
  • الصيمري المعتزلي.
  • أبو بكر محمد بن السري، المشهور بابن السرَّاج.
أبو بكر البغدادي النحوي، المعروف باسم «ابن السراج»؛ نسبة إلى عمل السروج، انشغل بالأدب، فأخذ عن الـمُبَرد وثعلب، وأصبح من أئمة النحاة وأحد أبرز علماء الأدب
ابن السراج – النحوي المعروف.

أبرز تلاميذه:-

  • إبراهيم بن علي إسحاق الفارسي.
  • أبو حيان التوحيدي.
  • ابن خالويه.
  • معز الدولة ابن بويه.
  • أحمد بن بكر العبدي.
  • الحسين بن محمد بن جعفر.
  • إسماعيل بن حماد الجوهري.
الجوهري أحد أشهر تلاميذ السيرافي

أبو سعيد السِيرافِي – مؤلفاته:-

  1. ألفات الوصل والقطع.
  2. أخبار النحويين البصريين.
  3. الوقف والابتداء.
  4. صنعة الشعر والبلاغة.
  5. شرح مقصورة ابن دُرَيْد.
  6. شرح كتاب سيبويه.
  7. شرح شواهد سيبويه.
  8. المدخل إلى سيبويه.
  9. الإقناع، في النحو، أكمله ابنه يوسف.

أبو سعيد السيرافي الزاهد:-

حينما قصد السيرافي مدينة بغداد، موئل العلم والعلماء -والتي سطع فيها نجمه عالماً بأسرار اللغو العربية- عُرف في دار السلام كقاضٍ ومدرِّس.

لكن المال اليسير المتأتي من هذه المهن، والتي ترفَّع عنها، لم تكن لتكفي عالمناً لتيسير شؤون حياته، فلجأ إلى الاعتماد على مهنة النسخ بيده، حيث أقدم يومياً على نسخ بعض وريقات تكفيه دراهمها المعدودات متطلبات الحياة فحسب. لقد كان السيرافي الزاهد يرى بضرورة وحتمية التدريس بلا مقابل، كما رفض تقاضي أجره عن عمله كقاضٍ، ذلك لأن نشر العدالة، وإحقاق الحق، ورد المظالم، وإعادة الحقوق لأصحابها؛ ينبغي أن يكون لوجه الله تعالى، فكانت تلك رسالته وفلسفته السامية التي أبقت ذكراه الطيبة.

بغداد كانت عاصمة العلم في عهد السيرافي

وفاته:-

توفي السيرافي في بغداد، يوم الإثنين، 2 رجب، سنة 368هـ.

المصادر:

  • الأعلام (2/195).
  • شرح كتاب سيبويه، لأبي سعيد السيرافي، تحقيق أحمد حسن مهدلي وعلي سيد علي، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/348/رقم 195).
  • سير أعلام النبلاء (16/247/رقم 174).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/367).
  • العبر في خبر من غبر (2/128).
  • معجم الأدباء (2/876/رقم 321).
  • معجم البلدان.
  • أبو حيان التوحيدي فيلسوف الإدباء وأديب الفلاسفة، أحمد عبد الهادي.
  • ظهر الإسلام، أحمد أمين.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى