أعلام

أبو سعيد الجرديزي .. الجغرافي والمؤرِّخ والنسَّابة

تناول في كتابه " زين الأخبار " تاريخ العالم منذ بدء الخليقة

من هو أبو سعيد الجرديزي ؟

هو الجغرافي والمؤرخ والنسَّابة المسلم أبو سعيد عبد الحي بن الضحاك بن محمود المتخلص الجرديزي المولود في غرديز (أفغانستان حالياً) والذي وافته المنية سنة 1061 م.

وقيل: إنه تعلَّم لدى العالم الموسوعي أبي الريحان البيروني (المتوفَّى سنة 1048 م)، مستعيناً  بمؤلفيّ الأخير “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” و”الآثار الباقية عن القرون الخالية”.

نشأة وحياة الجرديزي :-

أبو سعيد الجرديزي (الكرديزي) ينتسب إلى مدينة جرديز الواقعة جنوب شرقي العاصمة الأفغانية الحالية كابل، وجنوب غربي جلال أباد، ولم يأتِ ياقوت الحموي على ذكرها في كتابه الجغرافي الكبير “معجم البلدان”.

وقد عاش الجرديزي في مدينة غزنة بأفغانستان ، وفيها ألَّف كتابه المذكور، وتحدَّث عن اتصاله بالدولة الغزنوية وتقرُّبه من سلاطينها ، كما تناول في كتابه طبيعة هذه المنطقة، ومن ذلك قوله: ” وفي هذا اليوم الثامن من آذار يرون العصافير بديار غزنة، ويصير الجوُّ لطيفاً..”.

زين الأخبار :-

أبو سعيد الجرديزي اُشتُهِرَ بمؤلفه ” زين الأخبار ” والذي كتبه باللغة الفارسية تيمُّناً بالسلطان عبد الرشيد بن السلطان محمود الغزنوي، صاحب لقب “زين الملَّة”.

وكغيره من المؤرخين الكلاسيكيين مثل ابن الأثير الجزري (1160-1234 م) وسواه؛ فقد تناول الجرديزي في كتابه ” زين الأخبار ” تاريخ العالم منذ بدء الخليقة، كما تعرَّض فيه إلى جوانب متعددة من التاريخ، والآثار، والعادات والتقاليد، والأنساب، والمعارف، وخلافها.

وشرع الجرديزي في تصنيف كتابه بالحديث عن أخبار العجم، وقد قسَّمهم إلى خمس طبقات، شملت :

  • طبقة طهمورث وصولاً إلى زوبن طهماسب .
  • طبقة الكيانيين.
  • طبقة ملوك الطوائف.
  • ملوك السَّاسانيين.
  • الأكاسرة (جمع كسرى).

ثمَّ تحدَّث عن سيرة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم (مولده ونسبه وأسرته وصولاً إلى وفاته)، حيث استفاد مما ورد في سيرة ابن هشام وغيره.

كما تناول تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين، والمؤسسات التي وُلِدَت في عصرهم ، ومن ثمَّ وضع تصنيفاً لأخبار أمراء خراسان، ومن بعد ذلك تحدَّث عن كيفية استخراج التواريخ من الأخرى (الرومي-الهجري-الهندي)، ومن ثمَّ تحدَّث عن أعياد ومناسبات المسلمين والمسيحيين واليهود والمجوس واحتفالاتهم.

أهمية كتاب ” زين الأخبار ” :-

حظي كتاب أبو سعيد الجرديزي “زين الأخبار ” بعناية واهتمام من قبل الباحثين والجغرافيين والمؤرِّخين الذين تبعوه، وقد قيل الكثير بشأن أهمية هذا المؤلَّف، ومن ذلك:

  • قال عنه العلامة القزويني: “إنهُ كتابٌ نفيسٌ.
  • وقال عنه الأستاذ سعيد نفيسي : ” إنهُ كتابٌ رفيعٌ، فهو من حيث أسلوب الكتابة الفارسية؛ سلسٌ وسهلٌ، يمتلئ بالنُّكات التاريخية التي لا توجَد في كتابٍ آخر، وهو أكثر أهمية لدى الإيرانيين من أي كتابٍ آخر”.
  • ويقول عنه المؤرِّخ الأفغاني عبد الحي حبيبي: ” إنَّ أسلوبه الدُّرِّي مثل كتابا ت القرن الخامس سلسلة رشيقة شائقة، وهو يستخدمُ أحياناً كلماتٍ ولغاتٍ وتعبيراتٍ جميلةٍ تُعَدُّ مكسباً من حيث اللُّغة والتاريخ والنحو”.
  • كما تناوله الدكتور ذبيح الله صفا بقوله: ” زين الأخبار من جُملة كُتُب التاريخ العظيمة، وهوَ نثرٌ في غاية السَّلاسة والرِّقَّة، ومن خصائص أسلوب الجرزي رعاية جانب الإيجاز، وذكر رؤوس الحوادث، وتجنُّب الإسهاب والإطناب، وعدم الدُّخولِ في الجزئيات..”.
  • بدورها تقول الدكتورة عفاف زيدان: ” مؤرِّخ زين الأخبار من المؤرِّخين الذين تأثَّروا ببيئتهم تأثُّراً كبيراً، شأنهُ في ذلك شأن أي أديبٍ شاعرٍ، ولهذا استخدم بكثرة التعبيرات والأمثال والحِكَم التي لا تُدرَك معانيها بسُهولة، وتكثُر التأويلات والأقوال فيها..”.
لعب أبو سعيد الجرديزي دوراً مهماً في التأريخ للعهود الفارسية المختلفة.

مصادر كتاب الجرديزي :-

تنوَّعت المصادر التي استقى منها أبو سعيد الجرديزي المعلومات التي أنجز من خلالها مؤلفه ” زين الأخبار “، وتقول الدكتورة  المصرية عفاف زيدان -التي تولَّت ترجمة كتاب الجرديزي للعربية- في هذا الصَّدَد: إنَّ هناك ثلاثة منابع لمصادر المؤلَّف المذكور:

  • أولاً: مشاهداته:  ويقول في سياق حديثه عن أخبار يمين الدَّولة: ” … ولكنَّ هذه الأخبار رأيتُ أكثرها رأي العين..”.
  • ثانياً: المصنفات والمؤلفات: وقد أشار أبو سعيد الجرديزي إليها في مقدمة كتابه، ومن قبيل التوراة وذلك للحديث عن أعياد اليهود، والأوستا لتناول أعياد الفُرس، والأناجيل والقرآن الكريم ، إلى جانب كتاب “المسالك والممالك” للجيهاني لتناول معارف الترك، كما استفاد من مؤلَّف ابن خرداذبة  والذي يحمل ذات اسم  كتاب الجيهاني، إلى جانب مصادر مكتوبة أخرى، مثل “صور الأقاليم” لأبي زيد البلخي الذي يعتبر أقدم الجغرافيين المسلمين.
  • ثالثاً: السماعات، وهي بمثابة أخبار سمعها الجرديزي شفاهاً ورواها في كتابه، مع إسنادها في بعض الأحيان لصاحبها، ومن ذلك قوله ” هكذا سمعتُ من خواجة أبي الريحان رحمه الله..وقد امتاز أبو سعيد بكونه مؤرِّخٌ صادق وأمين ومتواضع لا يجد أدنى حرج في التصريح بالقول: ” لم أجد شيئاً عنه في الكُتُب”، حينما يتعرَّض لمناسبة أو عيد أو غير ذلك.

استفاد أبو سعيد الجرديزي من كتاب “الأعلاق النفيسة” لابن رسته الأصفهاني المتوفى سنة 290 هجرية، حيث يُلحظ وجود صلة قوية بينهما في موضوعات: الخرز والبلكار والمجغريان والسقلاب والرُّوس وسرير واللان..

عبد الحي حبيبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى