أعلام

أبو زيد الدبوسي .. الفقيه الحنفي المجدد

أول من وضع علم الخلاف وأبرزه، وكان من أذكياء الأمة

أبو زيد الدبوسياسمه ونسبه:

عبد الله بن عمر بن عيسى، وقيل اسمه: عبيد الله، أبو زيد الدبوسي ، الفقيه الحنفي، نسبته إلى دبوسية بين بخارى وسمرقند، وُلِد سنة 367هـ.

كان والده مطَّلِعاً على أقوال العلماء ومذاهبهم، صاحب مكانة علمية واجتماعية مرموقة، ما ساعد عبد الله على التوجه المبكر نحو طلب العلم.

أبو زيد الدبوسيمكانته العلمية:

كان الدبوسي فقيهاً باحثاً، تفقه على أبي جعفر الأستروشني، ويعتبر أحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، وكان شيخ وعالم بلاد ما وراء النهر.

وكان الدبوسي يذم التقليد للقادر على الاجتهاد، وينكره عليه إنكاراً شديداً، ويعتبره من النكبات التي أصابت الأمة خلال القرن الرابع الهجري.

نوادره:

ناظر بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه أبو زيد إلزاماً تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد:

مَــا لِــي إِذَا أَلْـزَمْتُــهُ حُـجَّـــةً .. قَـــابَلَنِــي بِالضِّحْكِ وَالْقَهْقَهَهْ

إِنْ كَانَ ضِحْكُ الْمَـــرْءِ مِنْ فِقْهِــهِ .. فَـالدُّبُّ فِي الصَّحَرَاءِ مَا أَفْقَهَهْ

الدبوسي
مختارات من أشعار أبي زيد الدبوسي

مقولات الدبوسي:-

أبو زيد الدبوسي فقيه مجدد يرفض التقليد والجمود، وفي هذا السياق لديه مجموعة آراء ومقولات، فيما يلي بعضها:

  • فالتقليدُ رأس مال الجاهِل، وسببه جهل المرأ بقدره، حتى اتبَعَ رجُلاً مثله بلا حجَّة.
  • ثمَّ كل قرنٍ بعدهم، اتبع عالِمه كيف ما أصابهُ بلا تمييز، حتَّى تبدَّلت السُّنن بالبِدَع، وضل الحقُّ بين الهوى، ونشأ قومٌ من الحبية، فزعموا أنَّهُم أحبَّاءُ الله تعالى عَجَباً بأنفسهم، وأنَّ الله تعالى يتجلَّى لقلوبهم ويحدِّثهم، فرأوا لذلك حديث أنفسهم حجَّة، واتخذوا أهواءهم آلهة، فلم يبقَ عليهم سبيل للحجَّة والعِياذ بالله.
  • أعرضتُ عن سائر الفُنون، ولم أقنَع بالظُّنون، وجعلتُ الحجج أمامي، لا الرِّجال، وبالحجاج خصامي دون الجلال، واعتصمتُ بالله ذي المن والإفضال، العظيم ذي الجلال الكبير المُتعَال.

ما قيل فيه:

اتفق المترجمون له على إمامته في الفقه، والأصول، مع تفوّقه في الذَّكاء، والنَّظَر، واستخراج الحُجَجِ، ومن جملة من أثنى عليه:

  • قال الذهبي : “العلامة، شيخ الحنفية، القاضي … عالم ما وراء النهر، وأول من وضع علم الخلاف وأبرزه، وكان من أذكياء الأمة”.
  • وقال السمعاني: “كان من كبار الحنفية الفقهاء ممن يضرب به المثل … وهو أحد القضاة السبعة”.
  • قال ابن الأثير : ” كان من كبار فقهاء الحنفية ممن يُضرَب به المثل”.
  • وعنه قال ابن خلكان: ” كان من أكابر أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه”.
  • قال عنه ابن العماد الحنبلي: “.. القاضي العلَّامة، كان أحد ممن يضرب به المَثَل في النَّظَر واستخراج الحجج، وكان شيخ تلك الدِّيار”.
  • ذكره حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في مقدمة كتابه “شفاء الغليل” بالقول: “إن الكشف والإيضاح عمَّا نقلته الألسنة من الإمام الدبوسي، كان مقصداً من مقاصده، وهدفاً من أهدافه لتصنيف هذا الكتاب (شفاء الغليل)”.

مؤسس علم الخلاف:-

الفقيه أبو زيد الدبوسي يعتبر مؤسِّساً لعلم الخلاف، والمراد به كيفية إيراد الحجج الشرعية وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي يُعدُّ من أقسام علم المنطق، إلَّا أنَّه خُصَّ بالمقاصد الدينية.

وفي هذا السياق، قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان” عن الدبوسي : “أول من وضع علم الخلاف، وأبرزه إلى الوجود”.

أما المؤرخ والمفسِّر الفقيه الحنفي محمد بن أحمد المعروف بطاش كبرى زاده (توفي سنة 1030 هجرية)، فقد قال: ” واعلم أنَّ أول من أخرج علم الخلاف في الدُّنيا، أبو زيد الدبوسي الحنفي “.

وقد رأى البعض بأن علم الخلاف كثير الفائدة، يُنتفعُ به في تشحيذ الأذهان، وتبيين الحقائق، فيقول مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون في هذا الصدد: ” ولعَمْري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومراد المُطالعين له على الاستدلال عليه”.

أبو زيد الدبوسيكتبه ومصنفاته:

  1. تأسيس النَّظر: يتكلم فيه الدبوسي عن سر منشأ الخلاف بين الأئمة، ومعرفة مأخذ أدلتهم لاستنباط الأحكام، ويتضمن الكتاب ثمانية أبواب، كل منها لبيان قسم من الخلاف بين أئمة الحنفية أنفسهم، أو بينهم وبين سواهم من الأئمة المالكية أو الشافعية.
  2. الأسرار: كتاب في الفقه، يقع في مجلدين كبيرين، يحتوي على جيمع أبواب الفقه، وفيه يقوم بإيراد أقوال كلِّ مذهبٍ في كل مسألة مطروحة، ثم يذكر مذهب وأدلة الشافعي أو المالكي فيها، ثم يستدلُّ للمذهب الحنفي، ثم يقوم بمناقشة أدلة الشافعي، ويردها دليلاً دليلاً، بطريقة قوية رصينة تدل على عمق ودراية واسعة، يتحرى فيها الغوص في الحقائق وإزالة الغوامض والمبهمات.
  3. تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع: يعتبر من أهم كتب الأصول في المذهب الحنفي.
  4. الأمد الأقصى: كتاب في الأخلاق والنصائح والحِكَم، بحجمٍ متوسِّط، وقد ألَّفه على أسلوب حوار عقده مع أحد تلاميذه الذي يقول بالسؤال، فيما يتولى الدبوسي الإجابة عن المسألة.
  5. الأنوار في أصول الفقه: وهو كتابٌ مختصر في أصول الفقه.
  6. التعليق في مسائل الخلاف بين الأئمة.
  7. خزانة الأصول: المشهور بخزانة الهدى.
  8. شرح الجامع الكبير للإمام الشيباني.
  9. النظم في الفتاوى.

وفاته:

توفي في بخارى سنة 430هـ، وقد عاش 63 سنة.

وقال السمعاني عن الدبوسي: “توفي ببخارى في سنة ثلاثين وأربعمائة إن شاء الله، ودُفِنَ بقرب الإمام أبي بكر بن طرخان، وزُرْتُ قبره غير مرَّة”.

وقد رثاه أمير الأطباء ابن سينا بقوله:

لو صُوِّرَ الكونُ عيناً تستفيض دمــاًً .. بشقِّ جيب ولطم الوجْهِ بالأيدي

لو يوفِّ من نفسـهِ مــا كــانَ يلزمهــا .. من البُكاء على القاضي أبي زيد

المصادر:

تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع، تحقيق وتعليق عبد الرحيم يعقوب، الأعلام (4/109)، البداية والنهاية (15/678)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، سير أعلام النبلاء، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، العبر في خبر من غبر، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، وفيات الأعيان، الوافي بالوفيات.

Image by LoggaWiggler from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى