أخبار العرب

أبو زبيد الطائي … شاعر الأسد المخضرم

فباتُوا يَدْلجــون وباتَ يَســــري .. بصيــــر بالدُّجَى هاد هموسُ

من هو أبو زبيد الطائي ؟

هو حرملة بن المنذر بن مَعد يَكرب بن حَنظلة بن النُّعمان بن حية بن سعنة بن الحارث بن ربيعة، ويتصل نسبه بيَعرب بن قَحْطان،  كُنيته أبو زبيد الطائي ، شاعر مخضرم أدرك الإسلام ولم يُسلم ومات على النصرانيّة في أغلب الروايات، وقِيل : إنَّه أسلم في قليلٍ من الروايات، ومنها ما أورده أبو عبيد البكري في “الأمالي” من زَعم الطبريّ إسلام حرملة بن المنذر مُستدلًا على ذلك بتردُّدِه على عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان – رضي الله عنهما – وبأن الوليد بن عقبة أوصى أن يُدفن إلى جانبه.

الشاعر أبو زبيد الطائي – صفاته ومكانته :-

كان أبو زبيد الطائي بهيّ الطلعة، حَسَن الهيئة، مَليح القَسَمات، وكان إذا دخل مكة تنكّر وغيّر من مَظهره؛ لِئلا يلفت إليه الأنظار، وكان مُحيطًا بأخبار الملوك وسِيَرهم؛ فقد كان دائم الاختلاف إليهم والاتصال بهم، ولاسيما ملوك العجم.

صنّفه ابن سلّام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ضمن شعراء الطبقة الخامسة من الشّعراء الإسلاميين، مع العجير بن عبدالله، وعبد الله بن همام السلوليّ، ونفيع بن لقيط الأسديّ، وقد أَورد له عبد العزيز الميمنيّ قصيدة من المختارات في الطرائف الأدبية.

وَصفه للنعمان بن المنذر :-

قال عِمارة بن قَابوس: سألتُ أبا زبيد الطائي قائًلا: يا أبا زبيد! هل سَبَق لك وجالَسَت النعمان بن المنذر؟ فقال: نعم، لقد أَتيته وجَالسته مِرارًا، قلت: فما تقول في وَصْفه؟ فقال: كان أحمرًا أزرقًا أبرشًا قصير القامة، فقلت: أَيَسرّك أنْ تَبلغه مقالتك هذه وأنَّ لك بها حُمُر النّعم؟ فقال: لا واللّٰه، لا حُمُرها ولا سُودها؛ فقد شَهِدتُ مُلْك ملوك حِمير وغَسّان، فما رأيتُ مَن يُضاهِيه عِزًّا ومُلكًا.

النعمان بن المنذر ملك الحيرة الداهية الشجاع، لقب بأبي قابوس، عرف بسرعة الغضب والتهور فكان يأخذ بالوشاية دون أن يتحقق منها، فتمكن منه الكارهين وسخط عليه كسرى
أبو زبيد الطائي اتصل بالنعمان بن المنذر.

اتصاله بعُثمان بن عفَّان :-

كان أبو زبيد الطائي على اتصال بعثمان بن عفان – رضي الله عنه – فقد كان عثمان يقرّبه ويُدنيه من مجلسه؛ لعلمه بأخبار وسِيَر الكثير من ملوك العرب والعجم، وكان يُجالِس المهاجرين والأنصار في مجلس عثمان يتذاكرون مآثر العرب وأشعارهم، وذات يوم استنشده عثمان بعضًا من أشعاره، فأنشده قوله:

مَن مُبلِــغٌ قَومَنا النائينَ إِذ شَحَطــوا .. أنَّ الفُؤادَ إِلَهِم شَيِّقٌ وَلِعُ

فَالــدارُ تُنبيهِم عَنّـــي فَـــإِنَّ لَهُـــم .. وُدّي وَنَصري إِذا أَعداؤُهُم نَصَعوا

إِمّــــا بِحَــدِّ سنــانَ أَو مُحــــافِلَــةٍ .. فَـــلا قَحومٌ وَلا فانٍ وَلا ضَرَعُ

أَخو المَحافِلِ عَيّافَ الخَنا أَنِفٌ .. لِلنائِباتِ وَلَو أَضلَعنَ مُضطَلِعُ

حَمّــالُ أَثقـــالِ أَهـــلِ الوُدِّ آوِنَةً .. أُعطيهِــمُ الجَهدَ مِنّي بَلهَ ما أَسَعُ

هَذا وَقَومُ غِضابٌ قَد أَبُتُّهُم على .. الكَلاكِــلِ حَوضي عِندَهُم تَرِعُ

تَبـــادَروني كَــأَنّي فــي أَكُفِّهِــم حَتّــى .. إِذا ما رَأَوني خالِياً نَزَعوا

واستطرد أبو زبيد الطائي بين أبيات قصيدته تلك في وصف الأسد والحديث عنه، لا يَملّ عن ذلك ولا يَكلّ، حتى قال له عثمان – رَضي اللّٰه عنه -: “يا أبا زبيد ما تَفتأ تذكرَ الأسد في أشعارك ما حَييت! تاللّٰه ما حَسبناك إلا جبانًا هدانًا، فقال: أنا في ذلك غير مَلومٍ يا أمير المؤمنين، لو تعلم عُذري وموقفي، لَما لُمتَني في ذِكِر الأسد قطّ، فقد رأيتُ منه مَنظرًا مَهولًا، وشَهِدتُ منه مَشهدًا مُروِّعًا، لا يزال يتردد صَداه في قلبي وعقلي حتى اليوم، فقال عثمان: وما ذاك يا أبا زبيد أخبرنا؟ فأخذ يستطرد في وصف مَوقفه ومواجهاته مع الأسد وصفًا دَقِيقًا طويلًا بليغًا، حتى شَخُصَت من هَول وَصفه العيون، واصطكّت من أَثَر قَوله الأرجل، وارتجَّت الأضلاع، واختَلَجَت القلوب التي في الصدور، فقاطعه عثمان بن عفان – رضي اللّٰه عنه – قائًلا: حَسْبُكَ يا أبا زبيد اصمت، فقد أرعبتَ قلوب المسلمين!.

كثرة ذكره للأسد:-

لم تكن القصيدة التي ألقاها أبو زبيد الطائي هي الوحيدة التي ذكر فيها الأسد، فقد أكثر من ذِكره له في قصائد عِدة، حتى لامه قومه على ذلك؛ خوفًا أن تُعيّرهم العرب بكثرة وصفه له، فقال لهم: لو لَقِيتم منه ما لَقيت لما لمتموني قطّ، ثم توقف عن ذِكره حتى مات.

ومن بديع ما قال وصفه لأسدٍ يتربّص ليلًا بقافلة تسير في الطريق، ويتابعها عن كَثَب، وتعمّق أبو زبيد الطائي في وصفه ذاك الأسد ببليغ الألفاظ والأساليب، حتى يُخيَّل للقارئ أنه يرى الأسد ويَشهد الواقعة أمام ناظريه، وذلك لدقة الوصف وتمامه، إذ يقول:

فباتُوا يَدْلجــون وباتَ يَســــري .. بصيــــر بالدُّجَى هاد هموسُ

إلى أنْ عـــرّسوا وأغـبّ عنهـــم .. قـــريبـاً ما يُحس له حسيسُ

خَـــلا أنَّ العتـــاقَ من المَــطــــايا .. حســــن به فهنّ إليه شوسُ

فلمـــــا أن رَآهـــــم قد تَدَانــــوا .. أَتاهـــــم وَسط أرجلهم يَميسُ

فثارَ الزَّاجــــرون فــــزاد منهــم .. تقــــرابًا وواجهه ضبيسُ

بِنصـــلِ السَّيـفِ ليسَ لـــه مجــن .. فصـد ولم يصادفه جَسيسُ

فيضــربُ بالشمــــال إلى حَشــــــاه .. وقد نادى فأَخلفه الأنيسُ

يُشمِّــــر كالمحــــالقِ في قنــــــوتٍ .. تقيــــه قضَّةُ الرضِّ الدّخيسُ

أبو زبيد الطائي وغلامه :-

يروِي ابن الأعرابي أن أبا زبيد كان يمكثُ غالب أيامه لدى أخواله من بني تغلب، وكان له غلام يرعى إِبلَه، وذات يومٍ انقَضّت قبيلةُ بهراءُ من قضاعة على بني تغلب، فلَقوا غلام أبي زبيد فدفعَ إليهم إبِلَه، وانطلق معهم ليَدُلَّهم على مداخل بني تغلب وعَورة قومهم، وتطوّع للقتالِ معهم ضد تغلب، لكنَّ الدائرةَ دارت عليهم؛ فقد هَزمت تغلبُ بهراءَ، وقُتل الغلامُ في خِضمِّ القتال، فنظم أبو زبيد شعرًا عن هذه الواقعة، فلما بلغ هذا الشعر بني تغلب، قرّروا أن يبعثوا إليه مثل ما نُهب من إبله، ودِيَة غلامه.

علاقته الوثيقة بالوليد بن عقبة :-

كان أبو زبيد الطائي دائم المنادمة والانقطاع إلى أبي وهب الوليد بن عقبة، وكان الوليد واليًا على الكوفة قبل عثمان، وقد أكثر أبو زبيد من مدحه بأشعار كثيرة، وذات يوم شُهِدَ على الوليد بشرب الخمر، فعُزل من منصبه، وخرج من الكوفة، فحزِن أبو زبيد لعزله أيَّما حزن، وأنشد يقول:

مَن يرى العيسُ لابن أروى على ظهرِ .. المرورى حداهن عجالُ

مُصـعـدات والبيت بيت أبو وهــب .. خـــلاء تحن فيه الشمالُ

يَعرفُ الجــاهلُ المضـلل أن الدهــــرَ .. فيـــه النكراءُ والزلزالُ

بعدمــــــا تعلميــنَ يا أمَ وهـــب .. كــــــان فيهم عيش لنا وجمالُ

ووجــــوه تــــودنا مشرقــــــــات .. ونــــــوال إذا يرادُ النوالُ

فلَعمــر الإله لو كـــــــــان للسيفِ .. مصـــال أو للسانِ مقــــالُ

ما تناسيتـــــك الصفــــــــاء ولا الــود .. ولا حال دونك الأشغالُ

ولَحــرمت لحمــــــك المتعصــــي .. ضلـــــة ضل حلمهم ما اقتالوا

أصبــــح البيت قد تبدل بالحــــيِّ .. وجـــــوهًا كأنها الأقتالُ

غير ما طالبين ذحـــــلًا ولكـــــن .. مـــــالَ دهرٌ على أُناسٍ فمالوا

قولهم بشرب الحرام وقد كــــــان .. شــراب سوى الحرام حلالُ

وأبَــى ظـــــــــاهر العــــداوةِ إلا .. طغيــــــانًا وقول ما لا يُقالُ

مَـن يخنْــكَ الصفــــــــــاء أو يتبـــدل .. أو يزل مثلما تزول الظلالُ

فاعلمن أنني أخـــــــوكَ أخـــــو الود .. حيــــاتي حتى تزولَ الجبالُ

وفاة حرملة بن المنذر :-

وكان أبو زبيد الطائي يرافق النصارى في كل أحدٍ إلى، فبينما هو يشرب الخمر والنصارى حوله، إذ رفع بصره إلى السماء فجأة ونظر مليًّا، ثم رمى الكأس من يده فقال:

إذا جعل المرء الذي كــان حــازمًا .. يحـــل به حل الحوار ويحملُ

فليس له في العيش خير يريده .. وتكفينه ميتاً أعف وأجملُ

أتاني رســول المـــوت يا مرحباً به .. وإنـي لآتيه أما سوف أفعلُ

ثم مات حرملة بن المنذر فجأةً، وقيل إن وفاته نحو 62ھ، بعدما أَسنَّ وعمَّر قرابة 150 عام كما جاء في بعض الروايات، وأوصى أن يدفن مع الوليد بن عقبة، ومات فدفن هناك على البليخ، وقيل: إن الوليد بن عقبة حضرته الوفاة بعده، فأوصى أن يُدفنَ إلى جنب أبي زبيد.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى