أخبار العرب

أبو ذؤيب الهذلي .. صاحب العَينيَّة المُوجِعَة

لامَسَت دعوة الإسلام شَغَاف قلبه، فنَفَض عن نفسه غُبار الجاهليّة، وأسلم فحَسُن إسلامه

أبو ذؤيب الهذلي هو شاعرٌ أَقْحَمَته مِحنةُ فقد أبنائه الخمسة في حالةٍ نَفسيَّة، نَظم عنها قصيدته العَيْنيَّة، مزج كلماتها بعَبَراتَه، وسطَّر أبياتها بأنَّاتِه، بعدما سيطر عليه الألم، ولوَّعه الفَقْد، فجَمع بين النّدبِ والعزاء، في عَيْنيَّته التي هي عينٌ من عُيون الرثاء، لِيُجسِّد بها ماهية قهر الرِّجال، عندما يتقاطر الدّمع بعدد حبَّات الرِّمال.

من هو أبو ذؤيب الهذلي ؟

هو خويلد بن خالد بن محرّث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل‏، وقال ابن الكلبي‏:‏ هو خويلد بن محرّث، من بني مازن بن سويد بن تميم بن سعد بن هذيل، شاعر مُخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم فَحَسُن إسلامه، مشهودٌ له بالفُحولة الشعرية والإبداع، صنّفه ابن سلّام الجُمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ضمن شعراء الطبقة الثالثة من الشعراء الجاهليين.

قبيلة هُذيَل :-

هي إحدى قبائل الحجاز، وكانت قَرينة قبيلة قريش نَسَبًا وصِهرًا وجِوارًا، وهي لم تكن ذات مكانة اجتماعية مرموقة بين القبائل فحسب، لكنها حَظِيت بمكانة أدبيّة فريدة؛ لكثرة شعرائها وفُصحائها، الذين ذاع صِيتهم، وبلغت أشعارهم الآفاق، فقد ظَفَر الهُذَليون بنصيب الأسد من فنون اللغة والأدب بين قبائل العرب، حتى تهافت رُواة الشعر والأدب على جمع أشعارهم في ديوان سُمّي “ديوان الهُذَليين”، وكان أبو ذؤيب الهذلي في طليعة هؤلاء الشعراء الذين يُشار إليهم بالبَنان.

أبو ذؤيب الهذلي فقد أبناءه.

أبو ذؤيب الهذلي وكأس الخيانة :-

لم ترد الكثير من الأخبار حول علاقة أبي ذؤيب بأهله وأقاربه، عَدا خالد بن زُهير الذي ورد ذِكره في أشعاره، فهو ابن أخته وصديقه وكاتم أسراره، والأهم من ذلك أنه كان رسوله إلى حبيبته ومعشوقة صِباه أمّ عمرو التي ذكرها قُرابة تسع مرّات في أشعاره، وبالرغم من كونها خليلة ابن عمه بدر بن العُويم، إلّا أنه لم يستطع أن يتوقف عن حبها والاتصال بها، وكان خالد بن زهير يمهِّد له السبيل لذلك، لكنّ أقوى صفعة لا تأتي إلّا من أقرب مسافة؛ فقد تجرَّع نفس كأس الخيانة التي أذاقها لابن عمه بدر، عندما خَانه كاتم أسراره خالد مع محبوبته الحسناء، فانطوى قلبه على خَيبة قصة حبه الفاشلة، فقد كان هو القدوة التي احتذي خالد حَذوها في الخيانة، فلم يستطع أن يَنبس ببِنْت شفة إلّا أن ينظم أشعارًا يُجرجر فيها أذيال خَيبته فيقول:

ُريدينَ كَيما تَجمَعيني وخـــالِدًا .. وهَـــل يُجمَعُ السَيفانُ وَيحَكِ في غمدِ

أُخالِدُ ما راعَيتَ مِن ذي قَرابَةٍ .. فَتَحفَظَني بالغَيبِ أو بَعضِ ما تُبدي

دَعاكَ إِلَيهــا مُقلَتاهـــا وَجيدُهــا .. فَمِـلتَ كَما مالَ المُحِبُّ عَلى عَمدِ

وَكُنتَ كَرَقراقِ السَــرابِ إِذا جَرى .. لِقَــومٍ وقد باتَ المَطِيُّ بهم تَخدي

فَأَقسَمتُ لا أَنفَكُّ أَحـذو قصيــدَةً .. أَدَعــكَ وَإيّاها بِها مَثَلًا بَعدي

إسلامه :-

لامَسَت دعوة الإسلام شَغَاف قلبه، فنَفَض عن نفسه غُبار الجاهليّة، وأسلم فحَسُن إسلامه، وحينما علم بمرض الرسول -صلى اللّٰه عليه وسلّم – ذهب إلى المدينة طلبًا لرؤياه، لكنه لم يستطع أن يراه بعدما حال موته -صلى اللّٰه عليه وسلّم- دون ذلك، فرثاه بأبيات يقول فيها:

لمَّــا رأيتُ النَّـــاسَ في عســلاتـهــم .. مـــا بين مَلحود له ومضرحِ

مُتبـــادرين لشــرجــــع بأَكُفِّهـــم .. نـص الرّقاب لفقد أبيض أَروحِ

فهنـــاك صــرتُ إلى الهُمـــوم ومَن .. يَبِتْ جَارَ الهمومِ يَبيتُ غَير مُروحِ

كُسِفَت لمَصرعه النُّجومُ وبَدرها .. وتَزعزعت آطامُ بطن الأبطحِ

وتزعزعت أجبـــالُ يثرب كلهــا .. ونخيلهـــا لحلولِ خطبٍ مفدحِ

وقد شارك في الفتوحات والغزوات، وغزَا إفريقيّة برفقة عبد الله بن الزّبير، ونظم أشعارًا يمدحه فيها، وندبه عمر بن الخطاب للجهاد، فلم يَتوانَ لحظة وظلَّ مجاهدًا حتى مات.

عَينيّة أبي ذؤيب الهذلي :-

اقترن اسمه بقصيدته العينيّة الشهيرة، التي نظمها في رثاء أبنائه الخمسة الذين تُوقفوا في عام واحد، وأَفْرغَ فيها مكنوناته العاطفية المقهورة، وآلامه النّفسيّة المكبوتة، مما جعلها تتّخذ مكانة لم تتخذها قصيدة من قبل في فن الرثاء؛ لخصوصيّة الحَدَث الذي بُنِيَت عليه تلك القصيدة، ولفحولة لفظها، ومتانة نَسجها.

ومن تقليد قصائد الرثاء، أنّ الشاعر يَستفيض في ذكر مناقب منَ يرثيه، ويُعدد صفاته، ويفخر بإنجازاته، إلا أنّ هَول الفاجعة التي حلّت على رأسه ألهته أيَّما إلهاء عن ذلك، فقد كان جُلّ همه أن يَصف حزنه الكمين، وشعوره بالضياع والألم، جرّاء مُصابه الجَلل في أبنائه، يقول أبو ذؤيب الهذلي في مَطلع عَيْنيَّته:

أَمِنَ المَنـونِ ورَيبِهـــا تَتَوَجَّـــعُ .. وَالدَهــرُ ليسَ بِمُعتِبٍ من يَجزَعُ

قــالت أُمَيمَةُ مالِ جِسمِكَ شــاحِبًا .. مُنــذُ ابتذَلتَ ومِثلُ مالِكَ يَنفَعُ

أَم ما لِجَنبِــــكَ لا يُلائِمُ مَضجَـعــــاً .. إِلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضجَعُ

فَأَجَبتُهــــا أَن مــــا لِجِسمِــــيَ أَنَّــهُ .. أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

أَودى بَنِــيَّ وَأَعقَبــونــي غُصَّـــةً .. بَعــدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

سَبَقوا هَوَى وَأَعنَقوا لِهَـــواهُمُ .. فَتُخُــــرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

فَغَبَرتُ بَعدَهُــمُ بِعَيـشٍ ناصِـبٍ .. وإخــــالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ

ولقد حَرِصتُ بِأَن أُدافِــــعَ عَنهُــمُ .. فــإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ

وقد استعان أبو ذؤيب في القصيدة العينية المُوجِعة بفصيح الألفاظ، وبليغ الأساليب، لتظهر قصيدته مَتينة السَّبك، قوية النَّظم، فيَّاضة العواطف، ولم تخلُ قصيدته من غريب الألفاظ، التي قد تتطلَّب الرجوع إلى معاجم اللغة للوقوف على معانيها، وكذلك استخدم ما نَدُر من ألفاظ كقوله:

أَكَلَ الجَميمَ وطـــاوَعَتــهُ سَمْــــجٌ .. مثــلُ القناةِ وَأزعَلتهُ الأمرعُ

بـــقــرار قيـعــــــان سـقــــاهُ وابــلُ .. واهٍ فأثجمَ بُرهةً لا يقلعُ

أبو ذؤيب الهذلي وأقوال حوله :-

  • ورد في الأغاني :” سُئل حسان بن ثابت عن أشعر الناس، فقال: حيًّا أم رجلًا؟ قالوا: حيًّا، قال: أشعر الناس حيًا هُذَيل، وأشعر هُذَيل غير مدافع أبو ذؤيب الهذلي”.
  • وقال عنه ابن سلّام الجمحي: “شاعر فحل، لا غميزة فيه ولا وَهن”.
  • وقال عنه أبو زيد عمر بن شبة: ” سبق جميع شعراء هذيل بقصيدته العينيّة التي رثى فيها بَنيه”.
  • وصف الجاحظ قول أبي ذؤيب في عينيته “والدَّهرُ ليس بمُعتبٍ مَن يَجزعُ” قائلًا: ” هذا أبلغ وأحكم شطر قِيل في الشعر العربي”.
الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي
الهذلي حظي بإشادة الجاحظ.

وفاته:-

تُوفي أبو ذؤيب الهذلي في خلافة عثمان بن عفان، وقِيل:‏ إنه مات في غَزوة إفريقيّة بمصر برفقة عبد الله ابن الزّبير، فدفنه ابن الزّبير ونفذ بالفتح وَحدَه‏، وقيل إنه مات غازيًا بأرض الرّوم، ودُفن بها، والثابت أنه ودّع الدنيا نائيًا عن موطنه وذَويه، مجاهدًا في سبيل اللّٰه.

تعرف هنا على النابغة الذبياني …مرجعية الشِعر في سوق عكاظ

المصادر:-

  • ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء.
  • ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب.
  • أبو زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب.
  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني.
  • نورة الشملان، أبو ذؤيب الهذلي حياته وشعره، 1980م.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى