أعلام

الإمام أبو حنيفة النعمان .. الفقيه المجتهد المحقق

كان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق ويؤثر من كسبه

اسمه ونشأته:-

الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن كاوُس بن هُرْمز بن مَرْزُبان بن بَهْرام ابن مَهركر بن ماحسير بن حَسنسل بن أدربورد بن شروس بن بردَمان بن بهرام بن مهرْكز بن أردرباد بن أدرخور بن برْفيروز بن سيدوس بن رفتار بن ايتكرد بن كَردبُوا بن شيردَار بن وادين بن شيدوش بن يزد بن يخت تود بن شادان .. التيمي الكوفي، مولى بني تَيْم الله بن ثعلبة، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وُلِدَ في الكوفة سنة 80هـ، كان خَزَّازاً يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء.

والده هو ثابت بن زوطي الفارسي، وقد كان جده من أهل كابل (عاصمة أفغانستان حالياً)، وقد أُسِرَ بالتزامن مع الفتح الإسلامي لهذه البلاد، واستُرِقَّ لبعض بني تيم بن ثعلبة، ثمَّ أُعتِق، فكان ولاؤه لهذه القبيلة، لذا فقد كان تيميَّاً بالولاء، بحسب رواية حفيده عمر بن حماد بن أبي حنيفة، أما وفقاً لرواية إسماعيل شقيق عمر؛ فإن أبا حنيفة هو النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، ويقول: ” والله ما وَقَعَ لنا رِقٌّ قطّ.”.

تعليمه:-

تثقَّف أبو حنيفة بكل الثَّقافة الإسلامية التي كانت في عصره، حيث حفظ القرآن الكريم على قراءة عاصم، وقد عرِفَ قدراً من الحديث، وقدراً من النحو والأدب والشِّعر، وجادَلَ الفِرَق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، وكان يرتحل لهذه المناقشة إلى البصرة، وكان يمكث فيها أشهراً طويلة لذلك الجَدَل، ثمَّ انصَرَفَ بعد ذلك إلى الفقه.

وفي هذا الصَّدَد؛ قال الإمام الأعظم عن نفسه: “كنتُ رجُلاً أُعطيتُ جَدَلاً في الكَلام، فمضَى دهْرٌ فيهِ أتَرَدَد وبهِ أُخَاصِم، وعنهُ أُنَاضِل، وكان أصحاب الخُصُومات والجَدَل أكثرُها بالبَصْرَة، فدَخَلْتُ البَصْرَة نيِّفاً وعشرينَ مرَّة، مِنْهَا ما أُقيمُ سنَةَ وأقل وأكثر، وكنتُ قد نازَعْتُ طَبَقَات الخوارِج من الأباضيَّة والصُّفرية وغيرِهِم.. وكُنتُ أعدُّ الكَلامَ أفضلَ العُلوم، ثم علمتُ أنَّهُ لو كانَ فيه خيرٌ لتعاطاهُ السَّلَف الصَّالِح، فهجرته”.

الصحابة الذين أدركهم الإمام أبو حنيفة النعمان:-

أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم؛ وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن وَاثِلَةَ بمكة، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل، وذكر الخطيب البغدادي أنه رأى أنس بن مالك.

بغداد كانت لقرون طويلة بمثابة أهم مدينة في الشرق
بغداد كانت لقرون طويلة بمثابة أهم مدينة في الشرق – مكتبة الكونغرس ( 1932 م)

مكانة الإمام أبي حنيفة النعمان العلمية:-

روى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته، وتفقَّه على حماد بن أبي سليمان. وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه، والعبادة، والورع، والسخاء، وكان عاملاً، زاهداً، عابداً، تقياً، كثير الخشوع، دائم التضرع إلى الله تعالى، وكان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صناع وأجراء.

وكان أبو حنيفة حسن الوجه وحسن المجلس، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه، وكان رِبْعة من الرجال، وقيل كان طوالاً تعلوه سمرة، أحسن الناس منطقاً.
وكان إماماً في القياس، وكان قويّ الحجة، من أحسن الناس منطقاً.

  • قال مِسْعِرْ بن كِدام، فيما رَوَيْنا عنه بالأسانيد: مَن جعَلَ أبا حنيفة بينه وبين الله إماماً رَجَوْتُ أن لا يخاف، وأن لا يكون فَرَّطَ في الاحتياط لنفسه.
  • قال يحيى بن آدم: سمعتُ الحسَن بن صالح يقول: كان النعمان بن ثابت قيِّماً بعلمِهِ مُتثبِّتاً فيه، إذا صَحَّ عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَعْدِل إلى غيره.
  • رَوَى الطَّحاويُّ بسنده، عن عبد الله بن داو الخُريبي، وسأله رجل، فقال: ما عيب الناس فيه على أبي حنيفة؟، فقال: والله ما أعلمهم عابُوا عليه في شيء إلَّا أنَّه قال فأصاب، وقالوا فأخطأوا.

الإمام أبو حنيفة النعمان – صفاته:-

الصدق والإخلاص:-

قال تلميذه أبو يوسف: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاةً، ودعاءً، وتضرُّعاً.

الأمانة:-

لقد عمل الإمام الأعظم في مجال التِّجارة، وقد كان شديد الحرج في كل ما تخالطه شبهة الإثم، ولو كانت بعيدة، فإن ظنَّ إثماً أو توهَّمه في مال؛ خرَجَ منه، وتصدَّق به على الفُقراء والمحتاجين.

ويُروى أنَّهُ بعث شريكه حفص بن عبد الرَّحمن بمتاع: وأعلمه أن في ثوبٍ منه عيباً، وأوجَبَ عليه أن يُبيِّن العيب عند بيعه، فباع حفص المتاع، ونسي أن يبيِّن، ولم يعلَم من الذي اشتراه، فلمَّا علِمَ أبو حنيفة، تصدَّق بثمن المتاع كلَّه.

الزهد عن القضاء:-

نقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف أبو حنيفة أنْ لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أنْ لا يفعل، وقال: إني لن أصلح إلى قضاء.
وكان ابن هُبَيْرَةَ الفَزَارِيّ قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعدي فأبى، وضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة، وأصر على الامتناع، فخلَّى سبيله.

بغداد التي تميز فيها الإمام أبو حنيفة النعمان بعلمه وتفوقه وورعه وزهده
بغداد التي تميز فيها أبو حنيفة بعلمه وتفوقه وورعه وزهده

وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه إذا ذُكِرَ ذلك بكى وترحَّم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضُرِبَ أحمد على القول بخلق القرآن.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الشافعي: “الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة”.
  • قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة فقال: “نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته”.
  • قال يزيد بن هارون: ” أدركتُ ألفَ رجُل، وكتبتُ عن أكثرهم، ما رأيتُ أفْقهَ، ولا أوْرَعَ، ولا أعلَمَ، من خمسة، أولهم أبو حنيفة”.
  • قال يحيى بن معين: “كان أبو حنيفة ثقة في الحديث”.
  • قال ابن المبارك: “ما رأيت رجلاً أوقر في مجلسه، ولا أحسن سَمتاً وحلماً من أبي حنيفة”.
  • قال ابنُ عبد البَرِّ: سُئِلَ يحيى بن معين، وعبد الله الدَّوْرقي يَسمع عن أبي حنيفة؟، فقال يحيى بن معين: هو ثقةٌ، ما سمعتُ أحداً ضعَّفه، هذا شعبةُ بنُ الحجَّاج يكتبُ إليه أن يُحدِّث، بأمرِه، وشعبةُ شعبةُ.!.
  • وقال ابنُ عبد البَرُّ أيضاً : “الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثَّقُوه، وأثنوا عليه، أكثرُ من الذين تكلَّموا فيه، والذين تكلَّموا فيه من أهل الحديث أكثرُ ما عابوا عليه الإغْرَاق في الرَّأي والقِياس”.

أبو حنيفة النعمان – التعصُّب ضدَّه:-

كان أبو حنيفة إلى جانب قوَّة شخصيته، وعُمق تأثيره، وبُعد نفوذه، صاحب طريقة جديدة في الإفتاء والتخريج، وفهم الحديث واستنباط الأحكام منه، وقد أَخَذَ ينشُر طريقته بين تلاميذه ومن يتصل بهم لفترة تتجاوز الثلاثين عاماً، ومن كان كذلك لا بُد أن يُستهدف للنَّقد المُر، بل التجريح نفسه، والتَّزييف لرأيه والتعصُّب عليه.

وقد كان أبو حنيفة عُرضة وهدفاً لهجوم المختلفين معه وعلى رأسهم بعض أبناء المدرسة الفقهية الشَّافعية، نَظَراً لأنه كان يُكثِر من إفتائه بالرَّأي، وعدم استناده على الحديث، وما يترتب على ذلك من استنباط وتخريج، ليرميه المتعصِّبون بكُل رمية، رغم أن عدداً من كبار فقهاء الشَّافعية أنصفوا الإمام الأعظم، ومن بينهم:-

  • الإمام جلال الدِّين السيوطي الشافعي الذي ألَّف رِسالة سمَّاها: ” تبييض الصَّحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة”.
  • ابن حجر الهيتمي المكي الشَّافعي بدوره كَتَبَ رسالة سمَّاها : “الخيرات الحِسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النُّعمان”.
  • الشَّعراني الشَّافعي بدوره خصَّ أبا حنيفة بالذِّكر والدفاع عنه، واستقامة طريقة تخريجه، ويذكره في طبقاته على أنَّه من أولياء الله الواصلين بحبل ولايته.

كتبه:-

لا نجد كتاباً مأثوراً لأبي حنيفة دوِّنَت فيه آراؤه أو أصوله، ولكن نجِد تلك الآراء قد أثرت عنه بالرُّواية عن تلاميذه، فكانت كُتُب الإماميّن أبي يوسف ومحمد هي النَّاقِلة لآرائه مع آراء بقية صحابته، وآراء لبعض العراقيين الذين عاصروه، من قبيل ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وعثمان البتي.

  1. مسند، في الحديث، جمعه تلاميذه.
  2. المخارج، في الفقه، صغير، رواه عنه تلميذه أبو يوسف، وتنسب إليه رسالة «الفقه الأكبر» ولم تصح النسبة.

كان يُشدِّد في الأخذ بالحديث، وهذا من غير شك، يضطرهُ إلى التوسُّع في القِياس والاستحسان، فما لم يكُن فيه أثر كتاب ولا أثر صحيح، فليسَ فيه أمامَ المُجتَهِد إلَّا القياس والاستحسان، كذلكَ كان من مبدئه إعمالَ عقلهِ فيما إذا رُوِيَ في المسألة 319 قولانِ أو أكثر للصَّحابة، فيختارُ منها أعدَلَهَا أو أقربها إلى الأُصول العامَّة، وعدَم الاعتداد بأقوال التَّابعين إلَّا أن يوافِقَ اجتهادَه.

— أحمد أمين، “ضُحَى الإسلام”.

وفاته:-

  • توفي أبو حنيفة في بغداد، في شهر رجب، سنة 150هـ، وهي السنة التي وُلِدَ فيها الإمام الشافعي.
  • ورُويَ عن أبي حسَّان الحسن بن عثمان الزِّياديّ قال: وفي سنة خمسين ومائة، مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت، في رجب، وهو ابن سبعين سنة.
  • ورُوِيَ عن بِشْر بن الوليد، قال: سمعت أبا يوسف، يقول: مات أبو حنيفة في النصف الأول من شوَّال، سنة خمسين ومائة.

قال ابن الأهدل: “نقله المنصور عن الكوفة إلى بغداد؛ ليوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أنْ لا يفعل، وقال: أمير المؤمنين أقدر مني على الكفارة، فأمر به إلى الحبس”، وقيل: إنه ضربه. وقيل: سقاه سماً؛ لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فمات شهيداً. وقيل كذلك: إنه أقام في القضاء يومين، ثم اشتكى ستة أيام، ومات.

المصادر:

  • أبو حنيفة : حياته وعصره – آراؤه الفقهية، الإمام محمد أبو زهرة.
  • الأعلام (8/36).
  • سير أعلام النبلاء (6/390/رقم 163).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/229).
  • وفيات الأعيان (5/405/رقم 765).
  • ضُحَى الإسلام، أحمد أمين.
  • الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية.
  • https://www.freepik.com/free-vector/mosque-field-sunset_4805865.htm#page=3&query=mosque&position=23
  • الصورة الرئيسية من حساب بغداد دار السلام، تويتر

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى