أعلام

أبو جعفر النحاس .. النحوي المصري البارز

جمع علماً غزيراً في اللغة والأدب والنحو وغيرها، ففاق كثيراً من أقرانه

اسمه ونسبه وكنيته:-

أبو جعفر النحاس ، ويقال عنه: ابن النحاس، هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي، النحوي، المصري.

مولده ونشأته:-

ذكرت المصادر -التي ترجمت للنحاس- بأنه مصري من غير أن تذكر زمان ومكان ولادته على وجه التحديد، ومعنى هذا أنه رحمه الله تعالى ولد ونشأ وترعرع في مصر، بل وتلقى العلم بها وعنه أخذ.

 أما حالته الاجتماعية؛ فيظهر من لقبه_ النحاس_ أنه نشا في أسرة ليست بالأسرة الغنية الموسرة، لأن عمل الأواني النحاسية وأمثال ذلك من الصناعات كانت من أعمال الطبقات الفقيرة في ذلك العصر.

رحلاته وطلبه للعلم:-

بدأ أبو جعفر النحاس رحمه الله تلقى العلم وطلبه في مسقط رأسه مصر، وكان يميل إلى العلوم الشرعية واللغوية، إلا أن شهرته في العلوم اللغوية كانت أغلب، وعندما شب وأصبح قادراً على الرحلة إلى العراق فتنقل فيها فزار الكوفة والأنبار، وقرقيسيا، ثم زار الشام، فأخذ عن علمائها ومشايخها، حتى جمع علماً غزيراً في اللغة والأدب والنحو وغيرها، ففاق كثيراً من أقرانه ثم عاد إلى مصر.

الكوفة .. صاحبة المدرسة النحوية المواجهة لنظيرتها البصرية

ثم عكف على دراسة العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه وغيرها، يقول الصفدي: “ثم عاد إلى مصر، وسمع بها جماعة، منهم: أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، والنسائي، وبكر بن سهل الدمياطي.

مكانته العلمية:-

برع أبو جعفر النحاس رحمه الله في فنون شتى، ويظهر ذلك من خلال ترجمته وآثاره التي تركها، ومن أبرز العلوم التي نبع فيها وبرع: علم اللغة والنحو والأدب، فكان من مشاهير علماء النحو الذين يرجع إليهم، ويستفاد منهم، ولا أدل على ذلك من تأليفه في الاختلاف بين المدرستين: الكوفية والبصرية، في كتابه “المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين“.

إلا أنه رحمه الله لم يقصر نفسه على علوم اللغة فقط، بل برع في العلوم الشرعية المتعددة، فبرز في علوم القرآن، والتفسير، والحديث، والفقه وغيرها، فبحث في مضامينها، وألف المؤلفات في بيانها، وتقريبها إلى الناس، يقول الزبيدي: “وكان واسع العلم، غزير الرواية، كثير التأليف، ولم يكن له مشاهدة، فإذا خلا بقلمه جود وأحسن، وله كتب في القرآن مفيدة، وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء، وأهل النظر، ويناقشهم عما أشكل عليه من تأليفاته”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال عنه ابن مأكولا: “.. وكان فاضلاً”.
  • وقال ياقوت الحموي : “صاحب الفضل الشائع، والعلم المتعارف الذائع، الذي يستغنى بشهرته عن الإطناب في صفته”.
  • قال ابن خلكان عنه: “.. وكانت فيه خَساسة وتقتير على نفسِه، وإذا وُهِبَ عمامة قطَّعها ثلاثة عمائم بُخلاً وشُحَّاً، وكان يلي شراءَ حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته، ومع هذا؛ فكان للنَّاس رغبة كبيرة في الأخذ عنه، فنفَعَ وأفاد وأخذ عنه خلقٌ كثير”.
  • وقال الإمام جلال الدين السيوطي: “من أهل الفضل الشائع، والعلم الذائع… وقلمه أحسن من لسانه وحبب إلى الناس الأخذ منهن وانتفع به خلق”.

وعليه؛ فإن النحاس عليه رحمة الله قد برع في علوم كثيرة، وتصانيفه العديدة في شتى الفنون والعلوم خير شاهد على فضله وسعة علمه، كما أن ثناء العلماء عليه وعلى مؤلفاته يدل دلالة أكيدة على عظيم منزلته، ورفعة مكانته، “وكان ينظر في زمانه بابن الأنباري وبنفطويه للمصريين” رحمه الله رحمة واسعة.

أشهر شيوخه:-

أخذ أبو جعفر النحاس رحمه الله عن كثير من العلماء في زمانه، سواءً في مصر أو خارجها في رحلاته وطلبه، والناظر في مصادر ترجمته وفي مصنفاته؛ يرى تنوع ثقافته، وتعدد مشاربه، فإنه جلس إلى علماء اللغة والنحو والأدب وأخذ منهم، وشارك في مجالس القراء وتلقى عنهم، وحضر حلق العلم في التفسير والحديث والفقه وغيرها، وله في ذلك كله شيوخ وعلماء أخذ عنهم ومنهم ما يلي:

  • إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق السقطي، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وكان إماماً في اللغة والنحو، من أشهر تلاميذ المبرد، وكان عالماً بالتفسير وعلوم القرآن، صاحب كتاب معاني القرآن وإعرابه، توفي سنة 311 هـ.
  • الأخفش الأصغر أو الصغير: علي بن سليمان بن الفضل، أبو الحسن النحوي، لم يشتهر عنه تصنيف ولا شعر، وكان في غاية الفقر، إلا أنه كان إماماً عالماً من علماء اللغة وأئمتهم، وعندما زار مصر سنة 287هـ أخذ عنه النحاس فأكثر، توفي سنة 315 هـ.
  • ابن ولاد: محمد بن الوليد بن ولاد، أبو الحسين التميمي النحوي، أخذ اللغة عن المبرد و ثعلب ، وكان جيد الضبط والحفظ، صاحب مصنفات في النحو واللغة، توفي سنة 298هـ.
لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو على الإطلاق
  • ابن كيسان: محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن النحوي، إمام عالم في العربية والنحو، كان يحفظ المذهبين الكوفي والبصري في النحو، له عدة مصنفات في اللغة ويغرها، منها كتاب المهذب في النحو، وكتاب الوقف والابتداء، ومعاني القرآن في مصنفات أخرى عديدة، توفي سنة 299هـ، وقيل: 320 هـ.
  • نفطويه : إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكي الأزدي، أوب عبد الله الواسطين المشهور بنفطويه لدمامته وسواده، شبهوه بالنفط، طان مقرئاً متقنناً، فقيهاً ظاهرياً، محدثاً ومؤرخاً، وكان إماماً في اللغة والنحو والأدب، توفي سنة 323هـ.
  • ابن الأنباري: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، صاحب كتاب الوقف والابتداء وغيرها من الكتب النافعة، والمصنفات الكثيرة، كان من بحور العلم في اللغة والتفسير والحديث، وكان ثقة أديباً ديناً فاضلاً من أهل السنة، من أعلم أهل زمانه بالأدب والنحو، وأكثرهم حفظاً للشعر والأخبار، توفي سنة 328هـن أخذ عنه النحاس النحو الكوفي، كما قال أصحاب التراجم.
  • بكر بن سهل بن إسماعيل الهاشمي مولاهم، أبو محمد الدمياطي، له مصنف في تفسير القرآن، وكان من أئمة القراء المشهورين، قرأ على بن عبد الصمد صاحب ورض، وكان من كبار أصحابه توفي سنة 289هـ.
  • أبو العباس المبرد: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس البصري، المشهور بالمبرد، نحوي مؤرخ، شيخ أهل النحو والعربية، إليه انتهى علمهما في بغداد، صاحب تأليف وتصنيف، توفي سنة 285 هـ، وقيل :286هـ.
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني

أشهر تلاميذ النحاس:-

كان لأبي جعفر رحمه الله مكانة عظيمة في نفوس طلبة العلم في مصر، لما حباه الله تعالى من محبة الناس له.

 قال السيوطي: “وحبب إلى الناس الأخذ منه، وانتفع به خلق”، فذاع صيته في الآفاق، وتناقلت أخباره الركبان، وأصبح ممن يرحل إليهن ونال منزلة عالية في قلوب طلبة العلم، فكان للناس رغبة كبيرة في الأخذ عنه، فنفع وأفاد، وأخذ عنه خلق كثير، ويشهد بذلك كثرة طلابه وشهرتهم، ومنهم:

  • فضل الله بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن الكزني القرطبي توفي سنة 335هـ.
  • البلوطي.
  • محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي.
  • أبو محمد الحكمي المقرئ.
  • محمد بن إسحاق بن منذر بن إبراهيم الأندلسي.
  • محمد بن مفرج بن عبد الله المعافري.

مؤلفاته:-

اتفق أهل التراجم والسير أن أبا جعفر النحاس كان كثير التأليف، حتى ذكر بعضهم أن مصنفاته تربو على خمسين مصنفاً، وفي علوم متعددة، وفنون مختلفة، يقول صاحب كتاب: تاريخ اللغة العربية في مصر: “وأما أبو جعفر فكان نسيج وحده، لم يترك باباً من أبواب العلوم الشرعية واللغوية إلا طرقه، وألف فيه كتباً، في القراءات، وفي التفسير، وفي الحديث، والناسخ والمنسوخ، وفي النحو، وفقه اللغة، وفي الأدب، ودوائر المعارف، وكان في كل ما يكتب موفقاً، ومن مصنفاته:

  1. معاني القرآن الكريم.
  2. إعراب القرآن.
  3. الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم.
  4. القطه والائتناف.
  5. التفاحة في النحو.
  6. تفسير أبيات سيبويه.
  7. كتاب اللامات.
  8. شرح القصائد التسع.
  9. صناعة الكتاب.
  10. أخبار الشعراء.
  11. اختصار تهذيب الآثار للطبري.
  12. أدب الكُتاب.
  13. أدب الملوك.
  14. الاشتقاق لأسماء الله عز وجل.
  15. الأنوار.
  16. تفسير عشرة دواوين.
  17. تفسير القرآن الكريم.
  18. شرح المفضليات.
  19. شرح مقامات الحريري.
  20. طبقات الشعراء.
  21. الكافي في النحو.
  22. معاني الشعراء.
  23. المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين.
  24. ناسخ الحديث ومنسوخه.

هذه بعض كتب هذا الإمام العَلَم رحمه الله تعالى، والتي تدل على غزارة علمه وبراعته في أبواب كثيرة من العلم، ومشاركته في فنون مختلفة، وأغلب هذه الكتب مخطوطة أو مفقودة.

أبو جعفر النحاس – نهاية مسيرة:-

ذكر أهل التراجم والتاريخ أن النحاس جلس على شاطئ النيل بمصر، ومعه كتاب العروض، فأخذ يقطع بحوره، فسمعه بعض العوام، فلم يفهم مما يقول شيئاً، فظن أنه يسحر النيل حتى ينقص ماؤه فتغلو الأسعار، فرفسه برجله، فذهب في المد، فغرق، ولم يوقف له على خبر.

هكذا كانت نهاية هذا العَلَم الفذ أبي جعفر النحاس، بعد عمر حافل بالعطاء، في طلب العلم وجمعه وتعليمه وتصنيفه، ذهب أبو جعفر وبقيت كتبه وآثاره شاهدة له بحسن البلاء في دين الله وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، انتقل إلى جوار ربه الكريم سنة 338هـ، وقيل سنة 337هـ، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن العلم وأهله وعن المسلمين خير الجزاء.

الإصطخري يتحدث عن نيل مصر

المصادر:-

  • طبقات النحويين واللغويين 220، الأنساب 5/361.
  •  ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم 69.
  •  الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف 7/286.
  •  نزهة الألباء في طبقات الأدباء 217.
  •  معجم الأدباء 1/ 617_621.
  •  اللباب في تهذيب الأنساب 3/300.
  •  إنباه الرواة على أنباه النحاة 1/101.
  •  وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 1/ 99،100.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى