أعلام

أبو بكر ابن العربي .. القاضي وحافظ الحديث

كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها، مع الذكاء المفرط

أبو بكر ابن العربي –اسمه ونشأته:

محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو بكر ابن العربي المَعَافِرِي الأندلسي الإشبيلي المالكي، قاضٍ من حفَّاظ الحديث، وُلِدَ بإشبيلية، ليلة الخميس، 22 شعبان، سنة 468هـ، وقيل: 469هـ.

أبو بكر ابن العربي – رحلته العلمية:

رحل أبو بكر ابن العربي إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد، مستهل شهر ربيع الأول، سنة 485هـ، ودخل الشام، ولقي بها الإمام أبا بكر محمد بن الوليد الطُرْطُوشي وتفقه عنده، وعند أبي الفضل بن الفرات، وسمع ببيت المقدس من مكي بن عبد السلام الرُّمَيْلِيّ.

أبو بكر ابن العربي تتملذ على الطرطوشي

ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها؛ كأبي طلحة النِّعَالِي، ثم دخل الحجاز فحج سنة 489هـ، وسمع بها من الحسين بن علي الفقيه الطَّبَري، ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشَّاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء؛ كالأديب أبي بكر التِّبْرِيْزِيّ.

رحل إلى مصر، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين؛ كأبي الحسن الخِلَعِيِّ وغيره، فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة 493هـ، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق.

مكانته العلمية:

عالم أهل الأندلس ومُسنِدهم، بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، مقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقبَ الذهن في تمييز الصواب منها.

توليه القضاء:

عُيِّن أبو بكر ابن العربي قاضياً ببلده، فحُمِدَت سياسته، ونفع الله به أهلها؛ لصرامته وشدته وسطوته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، ثم صُرِفَ عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه.

اشتهر بعدله وإنصفاه خلال ممارسته مهنة القاضي

شعره:

تميز أبو بكر ابن العربي بالشعر، وله أشعار تشوق فيها إلى بغداد وإلى الحجاز، ومن أظرف شعره وألطفه قوله وقد داعبه ابن أمير من أمراء الملثمين بأن ركض فرسه وهز عليه رمحه:

يهـزُّ علـيَّ الرُّمـحَ ظبيٌ مهفهـفٌ .. لعــوبٌ بألبابِ البريَّةِ عابث

فلـــو أنَّـــهُ رُمــــحٌ إذن لاتَّقيْتُـــهُ .. ولكـنَّــــهُ رُمحٌ وثانٍ وثالثٍ

ومن شعره قوله وقد دخل عليه غلام جميل الصورة في لباس خشن:

لبسَ الصُّــــوفَ لكــــي أُنْكِـــــرَهُ .. وأتـانـــا شاجياً قد عبسا

قُلْـتُ إيــهٍ قـد عـــرفْنَــــــاك وذا .. جـــــلّ سوءٍ لا يعيب الفرسا

كــــلُّ شـــيءٍ أنت فيـــه حســـــنٌ .. لا يبــــالي حسنٌ ما لبسا

وحُكِيَ أنه كتب كتاباً فأشار عليه أحد من حضر أن يذرَّ عليه نشارة، فقال: قف، ثم فكَّر ساعةً، وقال: اكتب:

لَا تشـنــه بِمَــــــا تـذرُّ عَلَيْـــــهِ … فكـفــــاه هبـوب هَذَا الْهَوَاء

فـكـــــأنَّ الَّذي تـذرُّ عليــــــه … جـــــدريٌّ بوجـنةٍ حسنـاء

أخلاقه:

كان نموذجاً يُحتذي في الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكَنَفِ، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود.

وكان رئيساً محتشماً، وافر الأموال، فقد أنشأ على إشبيلية سوراً من ماله.

مدينة إشبيلية التي ازدهرت في العهد الإسلامي

أبو بكر ابن العربي – أقوال العلماء فيه:

  • قال ابن بَشْكُوَالَ في كتاب «الصلة»: “هو الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها”.
  • وقال الحِجَارِيُّ: “لو لم يُنسَب لإشبيلية إلا هذا الإمام الجليل لكان لها به من الفخر ما يرجع عنه الطرف وهو كليل”.
  • وقال الذهبي : “كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها، مع الذكاء المفرط، ولي قضاء أشبيلية مدة، وصُرِفَ، فأقبل على نشر العلم وتصنيفه في التفسير والحديث والفقه والأصول”.
  • وقال ابن ناصر الدين: “كان من الثقات الأثبات والأئمة المشهورين”.

كتبه ومصنفاته:

  1. عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي: كتاب في شرح «سنن الترمذي»، ومعنى عارضة الأحوذي: العارضة: القدرة على الكلام، يقال: فلانٌ شديد العارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي: الخفيف في الشيء؛ لحذقه.
  2. العواصم من القواصم: كتاب في المناقب والتاريخ، يبحث فيه مسألة هامة وهي العصمة، فالعصمة لا تكون إلا للأنبياء، ولكن ذلك لا يعني أن يطعن بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالطعن بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو طعن بالنبي ذاته والعياذ بالله، ذكر فيه مناقب الصحابة رضوان الله عليهم، ورد على المواضع التي يتكلم عنها أعداء الدين وبيَّن وجه الحق فيها، فسمى الدعوة “قاصمة” والرد عليها “عاصمة”، حتى وصل في ردوده إلى العصر العباسي، فجاء الكتاب على صغر حجمه غاية في الأهمية.
  3. أحكام القرآن.
  4. قانون التأويل: يتناول القواعد المنهجية لطلاب العلوم الشرعية.
  5. الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم.
  6. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس .
  7. المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك.
  8. المحصول في أصول الفقه.
  9. كوكب الحديث والمسلسلات.
  10. الأصناف: في الفقه.
  11. أمهات المسائل.

وفاته:

توفي بالعُدوَة، ودُفِنَ بمدينة فاس، في شهر ربيع الآخر، سنة 543هـ، وقيل: إن وفاته كانت في جمادى الأولى على مرحلة من فاس، عند رجوعه من مَرَّاكُش، ونُقِلَ إلى فاس، ودفن بمقبرة الجَيَّاني.

ابن بطوطة يصف مدينة مراكش التي عاش فيها ابن العربي لبعض الوقت

تعرف أكثر على فاس .. مدينة الأسواق والتجارة عبر التاريخ

المصادر:

  • الأعلام (6/230).
  • بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس (92/رقم 179).
  • سير أعلام النبلاء (20/197/رقم 128).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/232).
  • العبر في خبر من غبر (2/468).
  • المغرب في حلى المغرب (1/254/رقم 177).
  • وفيات الأعيان (4/296/رقم 626).

https://www.freepik.com/free-photo/judges-gavel-book-wooden-table-law-justice-concept-background_4351473.htm#page=1&query=judgment&position=6

Image by charlemagne from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى