أعلامانفوجرافيكس

ابن السراج .. أحد أبرز علماء النحو والأدب والشعر

تمتع بقدر وافر من الذكاء والفطنة، عكسته مؤلفاته التي حظيت بثناء غالبية علماء فنون القراءات والنحو واللغة والأدب والخط

أبو بكر بن السراج:-

محمد بن السَّرِيّ بن سهل، أبو بكر بن السراج البغدادي النحوي، المعروف باسم «ابن السراج»؛ نسبة إلى عمل السروج، وُلِدَ في بغداد، ولم يذكر المؤرخين تاريخ ولادته.

ابن السرَّاج – المكانة العلمية:-

كان أبو بكر بن السراج يخرط الزجاج، ثم تركه وانشغل بالأدب، فأخذ عن الـمُبَرِّد وثعلب، وأصبح من علماء الأدب والعربية والشعر، واختص بصحبة الوزير عبيد الله بن سليمان، وعلَّم ولده القاسم الأدب، ولما استوزر القاسم بن عبيد الله أفاد بطريقه مالاً جزيلاً.

كان اجتماعياً، محباً للناس، له صلاتً صداقة مع كبار علماء عصره، خصوصاً المقرئ الكبير ابن مجاهد.

أخذ عنه: أبو القاسم الزَّجَّاجي، وأبو سعيد السِّيرافيُّ، وعلي بن عيسى الرُّمانيُّ.

كان أبو بكر بن السراج يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، وكان مغرىً في المنطق والطرب والموسيقى، انشغل بها فترة ثم عاد للتصنيف والتأليف في علوم العربية، وسبب تركه للموسيقى وعودته للعربية أنه سُئِلَ عن مسألة بحضرة الزَّجَّاج، فأخطأَ في جوابها، فوبَّخه الزَّجَّاج؛ وقال: مثلك يُخطئ في هذه المسألة! والله لو كنت فِي منزلي ضربتك، ولكن المجلس لا يحتمل ذلك؛ وما زلنا نُشبِّهك في الذكاء بالحسن بن رَجَاء، فقال: قد ضربتني يا أبا إسحاق، وكان علم الموسيقى قد شغلني. ثم رجع إلى الكتاب، ونظر في دقائق مسائله، وعوَّل على مسائل الأخفش والكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة.

أبو إسحاق الزَّجَّاج أحد أكبر أعلام النحو
أبو إسحاق الزَّجَّاج أحد أكبر أعلام النحو

ابن السرَّاج .. شخصية متنوعة الاهتمامات:-  

تميز ابن السراج بأنه من الشخصيات ذات الثقافة المتنوعة والواسعة، إذ تعمَّق في القديم كما أفاد من الحديث في زمنه، ليمزج ما بين الثقافة العربية الخالصة وما بين الثقافات الوافدة على الفكر العربي في زمنه، ويتجلى هذا التنوع في ثقافته بدراسته للموسيقى والنطق والقراءات ومن ثم النحو.

تمتع ابن السراج النحوي بقدر وافر من الذكاء والفطنة، عكسته مؤلفاته التي حظيت بثناء غالبية علماء فنون القراءات والنحو واللغة والأدب والخط، وقد كان مع علمه؛ أديباً شاعراً رُويت له أبيات أجلُّ من شِعر النحاة، والتي يغلب عليها طابع التفكير، حيث تجسِّد قدرته على التصرُّف بصِيغ الكلام واللغة والثقافة العامة، وهنا يقول تلميذه أبو علي الفارسي: إنه قرأ على ابن السرَّاج ديوان النابغة الذبياني من رواية الأصمعي.

لقد كان ابن السرَّاج أحد الأئمة المجمع على فضله ونبل قدره، ثقة، أديباً، شاعراً، إماماً في النحو، بليغاً في الرأي متيناً، مُقبلاً على الطرب والموسيقى، عشق ابن يانس المغني، له أخبار وهنات، بحسب ابن خلكان.

لم يُعرف عنه أنه كان يبخس حَقَ أستاذ له، بل كثيراً ما كان يثني على من يأخذ مِنه.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن خَلِّكان: “كان من أهل العلم والأدب والدين المتين”.
  • قال ابن دُرُسْتَوَيْه: “كان ابن السَّرَّاج من أحدث غلمان الـمُبَرِّد سناً، مع ذكائه وفطنته، وكان الـمُبَرِّد يميل إليه ويُقرِّبه وينشرح له، ويجتمع معه في الخلوات والدعوات، ويأنس به”.
  • قال أبو عبد الله المرزباني عن ابن السَّرَّاج: “صنَّفَ كتاباً في النحو سمَّاه الأصول، انتزعه من كتاب سيبويه، وجعل أصنافه بالتقاسيم على لفظ المنطقيين، فأُعجِب بهذا اللفظ الفلسفيون، وإنما أدخل فيه لفظ التقاسيم؛ فأما المعنى فهو كُلهُ من كتاب سيبويه على ما قسَّمه ورتَّبه، إلا أنَّه عوَّلَ فيه على (مسائل الأخفش الأوسط) ومذهب الكوفيين، وخالَفَ أصول البصريين في أبوابٍ كثيرة لترّكه النَظَر في النحوِّ وإقباله على الموسيقى، وصَنَّفَ على ما بلغني كُتباً غير ذلك، ولم تَطُل مدَّته، ولكِن اُعتُبِط، وكانَ الأخفش (الصغير) يغتابهُ وينشد أهاجيه على رسم الأخفش في العبث”.
  • قال ابن أبي أصيبعة: “وفي التاريخ أن الفارابي (إسحق بن إبراهيم) كان يجتمع بابن السرَّاج فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السرَّاج يقرأ عليه المنطق”.
  • أما في تواضعه، قال أبو الحسن علي بن عيسى الرُّمانيُّ: جرى بحضرة ابن السَّرَّاج ذِكر كتابه في الأصول النحوية، الذي صنَّفه، فقال قائل: هو أحسن من كتاب المقتضب للمُبَرِّد، فقال أبو بكر بن السراج له: لا تقل هذا؛ فإنما استفدنا ما استفدناه من صاحب المقتضب، وأنشد:

ولكنْ بَكَتْ قَبلـي فهيَّج لي البُكــا..

بُكَاها، فقلتُ: الفَضــلُ للْمُتَقَـدِّمِ

منهج ابن السراج النحوي:-

شهد جميع من عاصر ابن السراج على ذكائه وفطنته وعمقه الذي مكَّنه من ترك مؤلفات ومصنفات أثنى عليها العلماء في أغلب الفنون المختلفة من القراءات والنحو واللغة والأدب والخط، فضلاً عن كونه شاعراً رُويَت له أبيات أجل من شِعر النُحاة،، وفيما يلي أبرز معالم منهجه النحوي:

بغداد عام 1906 م
بغداد دار السلام
  • كان أبو بكر ابن السراج يُعنى عناية واسعة بعِلل النحو ومقاييسه، وفيهما قام بتصينف كتابه “الأصول الكبير”.
  • كان يُعنى بالقياس عنايةً فائقةً بلغت مرحلة مهاجمة مَن يعتدُّون بالشواذ والنوادر، داعياً إلى إسقاطها لئلا يحصل خللاً واضطراباً في المقاييس النحوية والصرفية.
  • يرى ما لا يراه الجمهور من أنَّ الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبراً أو حالاً أو نعتاً يتعلقان بمحذوف تقديره مستقر أو استقر، إذ يذهب إلى أنهما قسم مستقلٌ بنفسه يقابل الجملتين الإسمية والفعلية.
  • رغم أنه بغدادي النشأة والوفاة؛ غير أن مذهبه كان بصرياً كما قدَّم نفسه، لأنَ الأُسس التي يرجع إليها والمُصطلحات والمَسائل الخلافية التي يستعملها ليست بغدادية.
  • هو يقول بآراء البصريين ويعتمد أسس هذه المدرسة ومصطلحاتها، فهو يعتمد -كالنحاة البصريين-القبائل العربية الفصيحة، ولا يقيس على القليل أو النادر.
  • من حيث المصطلحات النحوية؛ هو يستعمل البصرية منها كالممنوع من الصرف، والظرف، والعطف، والجر والمجرورات، والنعت والبدل، وألقاب الإعراب، والبناء، والضمير، وضمير الفصل، والمتعدي واللازم.
  • استخدم أبو بكر ابن السراج أحياناً اصطلاحات الكوفيين كالنسق والمكني، والجحد والصفة والمفسر وما لم يُسم فاعله.
  • عوَّل ابن السراج النحوي على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة وصنَّف ما صنَّف.

كتب ابن السراج:-

  1. شرح كتاب سيبويه.
  2. احتجاج القُرَّاء.
  3. الأمالي.
  4. ما فُسِّر من جامع المنطق.
  5. الاشتقاق.
  6. العروض.
  7. النوادر.
  8. الأنواء.
  9. الشعر والشعراء.
  10. الجُمَل.
  11. المواصلات في الأخبار والمذاكرات.
  12. ما ينصرف وما لا ينصرف.
  13. ويعد كتاب الأصول في النحو لابن السراج من أشهر مؤلفاته، وقد قيل: ما زال النحو مجنوناً حتى عقَّلَهُ ابن السراج بأصوله.

تلاميذه:-

  • أبو القاسم الزجاجي المتوفى سنة (337 /948).
  • أبو سعيد السيرافي المتوفى سنة (368 /978).
  • أبو علي الفارسي المتوفى سنة (377 /987).
  • الرّماني أبو الحسن علي بن علي المتوفى سنة (384 /994).
  • أبو علي القالي المتوفى سنة (356 /966).
  • الأزهري اللغوي الهروي الشافعي المتوفى سنة (370 /980).
  • الآمدي المتوفى سنة (371 /981).

وفاته:-

توفي أبو بكر بن السراج يوم الأحد، 19 ذي الحجة، سنة 316هـ، وقد عمَّر ابن السرَّاج طويلاً، ولم يمُت في سِنٍ مبكرة أو شاباً كما ذكر الإمام جلال الدين السيوطي، بل على العكس من ذلك، فإن المترجمون يشيرون إلى أنه قضى كهلاً، أما أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي فقد قال: “إن أبا بكر محمد بن السريّ السراج ماتَ يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلثمائة”.

وما يدعم وجهة النظر الأخيرة، أن أبا بكر صحِب المبرِّد المتوفى سنة 285 هجرية، وإذا تم افتراض أن سِنَّهُ كان 25 عاماً آنذاك، يُضاف إليها 31 سنة عاشها بعد وفاة أستاذه؛ فيكون عمره 56 عاماً عند وفاته، والله أعلم.


المصادر:

  • الأعلام (4/285).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/145/رقم 653).
  • بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (1/109/رقم 181).
  • سير أعلام النبلاء (14/483/رقم 268).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/51).
  • العبر في خبر من غبر (1/472).
  • النحو والنحاة المدارس والخصائص.
  • الأصول في النحو، تحقيق الدكتور عبد الحسين الفتلي.
  • طبقات اللغويين والنحويين (112/رقم 39).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/339/رقم 641).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى