أعلامانفوجرافيكس

أبو الفرج الببغاء .. الشاعر والكاتب المترسل

قال عنه الثعالبي: "نجم الآفاق، وشمامة الشَّام والعراق، وظرف الظّرْف، وينبوع اللطف"

اسم الشاعر ونسبه:-

أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الحنطبي المعروف بالببغاء. شاعر مجيد، وكاتب مرسل، جيد المعاني، حَسَن القَول، أبو الفرج الببغاء من أهل نصيبين.

سبب تسميته بالببغاء:-

الشاعِر عربيٌ صريحٌ في نسبه، وقيل: لقبه الببغاء لفصاحته وقيل للثغة كانت في لسانه، ويؤيد الرأي الثاني قول الصابي له:

أبا الفــرج استــحققت نعتـــاً لأجــــــله

.. تســـميت من بين الخلائـــــق ببغا

وما هــــــجنت منك المحاســـــــن لثغة

.. وليــــس سوى الإنســــان تلـــــقا الثغا

ويبدو أن لثغة بالفاء كانت في لسانه ولذلك كان ابن جني يسميه الففغاء بفاءين.

ويشير الببغاء إلى لقبه ويذكر أنه لُقِّب به في الصغر، ويُبدي عدم رضاه عن هذا اللقب فيقول:

فإن كــــنت بالببغاء قـــدماً ملقباً .. فــكم لقب بالــجور لا العدل مخترص

مولد الببغاء:-

ولِد أبو الفرج الببغاء الشاعر في نصيبين تلك المدينة الساحرة الجمال التي حباها الله بالحُسن الخلاب، وبها ترعرع وتعلم ومن أستاذه الشاعر النامي الذي كانت تربطه به صلة طيبة قوامها ما يربط التلميذ بأستاذه من صلاتٍ فكرية وروحية، وقد تتلمذ الببغاء عليه وروي عنه بعض أماليه.

ولقد أغفل المؤرخون الذين ترجموا له سَنة ولادته، فلم يذكرها الثعالبي أو البغدادي، أو ابن خلكان، أو السمعاني، أو غيرهم.

ويُرجَّح أنَّه وُلِد حوالي سنة 314 هـ، وذلك لأن أبا الفرج الأصفهاني ذكر في رواية له أنه اضطر لأن يتأخر في دمشق عن سيف الدولة الحمداني، وقد سار عنها في بعض وقائعه، لأن الخطر كان شديداً على من أراد اللحاق به وأصحابه، حتى أن ذلك كان طريقاً إلى النهب وطول الاعتقال.

 وقال: إنه اضطر إلى أعمال الحيلة في التخلص والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الإخشيدية، وذَكَرَ أن سِنَّه كانت في ذلك الوقت عِشرين سنة.

ونحن نعلم بأن سيف الدولة دخل دمشق خلال حَربه مع الإخشيديين سنة 334 هـ، وما دام الشاعر يذكر أن عُمره آنذاك كان عشرين عاماً؛ فلذا يُرجَّح أنه ولِد حوالي سنة 314 هـ.

نشأة الببغاء:-

ليس هناك معلومات وافية توضح سيرة حياته، وتحدد ملامح شخصيته، ولم نعثر من أخباره إلا على شذرات قليلة وإشارات غير وافية متناثرة في مختلف المصادر.

حلب:-

وفد الببغاء في عنفوان عمره وريعان شبابه على حلب واتصل بسيف الدولة ويبدو أنه قد قرض الشعر في فترةٍ مبكرة من حياته بحيث أنه أصبح في شبابه شاعراً مشهوراً يفد على الأمير الحمداني ويبرز في بلاطه وينال حظوته ورعايته وهو الأمير الذي شغف بالعلم والأدب وفاز الشعر منه بأعظم عناية وأسمى رعاية، ولقي الشعراء في أكنافه جاهاً عريضاً ومكانة رفيعة.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب حيث ولد أبو الفرج الببغاء
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

ولذا كان مقصد الشعراء والأدباء والعلماء يشدون إليه الرحال من مختلف الأقطار بحيث أن حلب في عهده نافست بغداد في الأدب والشعر والعلم.

ومما ساعد على تقدير الشعر وتكريم الشعراء أن الأمير الحمداني كان على جانب عظيم من الثقافة والبصر بمواطن الجمال والقدرة على النقد والتمييز وكان يمتاز بذوق أدبي بالغ، جعل في قدرته المفاضلة بين الشعراء والأدباء بلغة الناقد المتفحص.

 وبسبب هذه الروح التي بثها الأمير الحمداني؛ كُثُر الشعراء الوافدون على بلاطه وتضاعف عددهم، فكان بلاطه ملتقىً الشعراء ومنتدى الأدباء، ومنهم بالإضافة للببغاء من الشعراء الفحول كلا من أبي الطيب المتنبي وأبي العباس النامي والصنبوري وعلي بن عبد الله الناشئ والسري الرفاء وأبو الفرج الوأوأ وأبي الفتح كشاجم، وأبي نصر بن نباته السعدي وأبي العباس الصفري والخالديان وأبو القاسم الشيظمي وغيرهم.

وحكى ابن لبيب غلام أبي الفرج أن سيف الدولة كان قد أمَرَ بضَرب دنانير للصِّلات في كُل دينار منها عشرة مثاقيل، وعليه اسمه وصورته، فأمَرَ لأبي الفرج منها بعشرة دنانير، فقالَ الأخير للأمير ارتجالاً:

نحـــن بجـــــود الأميـــــر في حـــــرم .. نرتفــع بين الســــعود والنِّعَــــمِ

أبـــــــــدع مــن هــــذه الدنـــــانير لم .. يجـــر قديماً في خــاطر الكرم

فــقد غـــدت باســــــمه وصـــــورتــه .. في دهـــــرنا عـــــوذةُ من العـــام

النامي:-

وكانت صِلة الشاعر الببغاء بشُعراء البلاط الحمداني صِلَة طَيبة تقوم على المودَّة والمحبة، ولا يشوبها الحَسَدُ والضغينة كما هو شائع بين الشعراء في ذلك العصر، إذ كان الشاعر النامي أحد أساتذة الببغاء ، وكانت تربطه به صلات المحبة والتقدير.

وكان النامي في جملة حُسَّاد المتنبي ومناوئيه، وكانت له معه وقائع ومعارضات في الأناشيد كما كان أبو فراس الحمداني في طليعة مناوئي أبو الطيب إلا أن الببغاء كان على صلة طيبة بهم جميعاً.

وهو يتحدث عن صلته بأبي الطيب فيقول: “كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلَّمه، والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات ويتغاضى في بعضها”.

المتنبي .. أكبر الشعراء العرب بعد الإسلام

وكانت تربطه بأبي فراس أواصر صداقة قوية، إذا أن الشاعر الحمداني الكبير؛ كان يستأنس برأيه ويأخذ بمشورته، كما أطلعه على ديوانه، وطرح بعض قصائده التي اقترح طرحها.

 وذكر الببغاء أن لأبي فراس ديوان شعر كبير غاية في الجودة إلا أنه كان قبيل وفاته اختاره فنفى منه شيئاً كثيراً وقال: وافقني على نفيه لأنه عرضه علي فكل ما استضعفناه نفاه، وما اجتمعنا على استجادته أقره وحرره في نسخة تداولها الناس.

ولقد لازم الشاعر الببغاء الأمير الحمداني طوال حكمه، ونعِم بصلاته العميمة، وعطاياه الجزيلة، فتبدل حاله من فقرٍ إلى غنىٍ، ومن ضيق يد إلى سِعة في العيش وخفض في الحياة، وهو في إحدى قصائده يشيد بكرم الأمير الذي رد عنه الإملاق حتى لم يبق له أمل يرجوه فيقول:

رويد جــودك قد ضـــاقت به هممــي .. ورد عني برغم الدهر إقلالي

لـــم يبق لــي أمل أرجو نـــداك بـــه .. جلل لديه وكل خطب دون

وأقام الببغاء في حلب بعد وفاة سيف الدولة فترة من الزمن، وكان مقرباً من ابنه أبي المعالي سعد الدولة الذي خلف أباه.

الموصل:-

وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة؛ خرج قرعويه على أبي المعالي واستولى على حلب، فغادر الببغاء وتوجه صوب الموصل عند أبي تغلب بن ناصر الدولة الحمداني فأجمل بره ونال عنايته وأقام في كنفه واستقر في المدينة العراقية الشمالية ولكنه ظل يتردد على بغداد.

وفي سنة 367 ؛ قُتِل أبو تغلب بن ناصر الدولة، إذ أغار عضد الدولة البويهي على بغداد وقتل ابن عمه عزل الدولة بختيار بن أحمد بن بويه الديلمي، وواصل زحفه إلى الموصل فهرب منها أبو تغلب وظل شريداً يضرب في آفاق الأرض حتى أسره بعض الرجال الفاطميين بفلسطين وقُتِلَ سنة 367 هـ.

ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل - الببغاء
ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل

بغداد:-

ولعل الببغاء قد آثر بعد زوال مُلك ممدوحه في الموصل الاستقرار في بغداد، وقد كان فيها سنة 367هـ، وزار أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي في سجنه، إذ أن عضد الدولة بعد قتله بختيار سجن كاتبه الصابي واستصفى أمواله.

وكانت أواصر الصداقة الحميمة تجمع بين الببغاء والصابي، وكان الثاني كما ذكرنا كاتباً لبختيار كما كان الأول كاتباً لأبي تغلب. وكان الأخير زوجاً لابنة بختيار وكان على صلة طيبة به.

وبعد أن زار الببغاء صديقه في السجن قطعه لفترة طويلة، فعتب عليه، وبعثت إليه الصابي قصيدة يعاتبه فيها مطلعها:

أبا الفرج سلم وابق وانعم ولا تزل .. يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص

مضت مدة تستام ودي غالباً .. فأرخصته والبيع غال ومرتخص

فأجابه أبو الفرج بقصيدة يبرر فيها غيابه ويتمنى إطلاق سراح صديقه ويرجو عضد الدولة أن يرأف به:

أيــــــا ماجداً مذيمم المجد ما نكص .. وبدر تمام مذ تكامل ما نقص

ستخلــــص من هذا الســرار وإيما .. هلال توارى في السرار وما خلص

بــــــــــرأفـــة تـــــاج المــــلة الذي .. لسؤدده في خطة المشترى حصص

وانتهى الابتداء والجواب إلى عضد الدولة فأعجب بهما واستظرفهما وكان ذلك أحد أسباب إطلاق سراح أبي إسحاق من اعتقاله، ثم اتصلت بينهما المودة والكتابة.

استقرار الببغاء:-

واستقر أبو الفرج الببغاء في بغداد وكان فيها عندما قدمها أبو نصر سابور بن أردشير، الملقب بهاء الدولة وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة البويهي سنة 380هـ، وكان من أكابر الوزراء وأماثل الرؤساء، جمعت فيها الكفاية والدراية، وكان بابه محط الشعراء، وله ببغداد دار علم ومدحه الببغاء فقال:

مت الزمان على تــــأخيــر مـــطلبي .. فقال ما وجه لومي وهو محظور

فقلت: لو شيئت ما فات الغني أملي .. فقال أخطأت بل لو شاء سابور

لذا بالوزير أبي نصر وسل شططاً .. أسرف فإنك في الإسراف معذور

وقد تقبلت هذا النصح من زمني .. والنصح حتى من الأعداء مشكور

وعمَّرَ الببغاء طويلاً. وقال أبو منصور الثعالبي: إنه سمع الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من
الحج ودخوله بغداد في سنة تسعين وثلاثمائة: رأيت بها أبا الفرج الببغاء شيخاً عالي السن متطاول الأمد
قد أخذت الأيام من جسمه وقوته ولم تأخذ من طرفه وأدبه.

من أشعار الببغاء:-

هو صاحب شعر جيد ومقاصده فيه جميلة، وله ديوانٌ، ومن شعر أبي الفرج الببغاء هذه الأبيات:

يا سادتي هذه روحي تُودِّعُكم  

 إذ كان لا الصَّبرُ يُسْليها ولا الجزعُ

قد كُنْتُ أطمعُ في روحِ الحياةِ لها 

  والآنَ إذ بِنْتُمُ لم يبقَ لي طمعُ

لا عذَّبَ اللهُ روحي بالبقاءِ فما

  …  أظنُّها بعدَكُم بالعيشِ تنتفعُ

ومن شعره أيضاً:

وَمُهَفهَفٍ لِما اِكتَسَت وَجَناتُهُ   

.. حُلَلَ المَلاحَةِ طُرِّزَت بِعَذارِهِ

لَما اِنتُصِرتُ عَلى عَظيمِ جَفائِهِ 

بِالقَلبِ كانَ القَلبُ مِن أَنصارِهِ

كَمُلَت مَحاسِنُ وَجهِهِ فَكَأَنَّما اِق 

تَبَسَ الهِلالُ النورَ مِن أَنوارِهِ

وَإِذا أَلَحَّ القَلبُ في هِجرانهِ

    ..  قالَ الهَوى لا بُدَّ مِنهُ فَدارِهِ

ومن رسائله ومكاتباته: شهَاب ذكاء، وطود وَفَاء، وكعبة فضل، وغمامة بذل، وحسام حق، ولسان صدق،
فالليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار لخوفه مطرقة، تحمده أولياؤه وَتشهد لَهُ بِالْفَضْلِ أعداؤه.

يقابلنا الْبَدْر من برده     

.. ويشملنا السعد من سعده

وَلَو فَخر الْمجد لم تلقه 

.. فخورا شَيْء سوى مجده

قال أبو منصور الثعالبي عن أبي الفرج الببغاء : “نجم الآفاق، وشمامة الشَّام والعراق، وظرف الظّرْف،
وينبوع اللطف، وَاحِد أفراد الدَّهر في النَّظم والنثر، له كلام بل مدام بل نظام من الياقوت بل حب الغَمَام؛
فنثره مستوف أقسام العذوبة وشروط الحلاوة والسهولة، ونظمه كأنَّهُ روضة منورة تجمع طيباً ومنظراً حسناً”.

الببغاء يصِف الحمار الوحشي:-

ليتعرَّف القارئ عن كثب على طريقة كتابة الرسائل من قبل أبي الفرج الببغاء، فإننا نسوق المثل التالي، حيث كتبَ رسالة ليصِف الحمار الوحشي، الذي أُهديَ لعزيز الدولة بختيار بن بويه من جهةِ صاحب اليمن.

فقال الببغاء هنا: “وأما الأتان، النَّاطِقة في كمالِ الصَّنعة بأفصحِ لسان؛ فإنَّ الزَّمان لاطَفَ مولانا، أيَّدهُ الله، منها بأنفسِ مَذخور، وأحسنِ منظور، وأعجب مرئي، وأغرب مَوشيّ؛ وأفخرِ مركوب، وأشرف مجنوب؛ وأعزِّ موجود وأبهى مخدود”.

اُعتُبر الحمار الوحشي حينها هدية ذات قيمة كبيرة

” كأنما وسَمَها الكمالُ بنهايته أو لحظَها الفَلَكُ بعنايتِه؛ فَصَاغها من ليلِه نهارِه؛ وحلَّاها بنجومه وأقماره، ونقشَها ببدائع آثارِه؛ ورَمَقَهَا بنواظِر سعودِه، وجَعَلَها أحد جدودِه؛ ذات إهاب مسيَّر، وقرْبٍ محبَّر، وذَنَبٍ مُشجَّر، وشَوَى مسوَّر، ووجهٍ مزجَّج، ورأسٍ متوَّج”.

” تكنفهُ أذنان، كأنَّهُما زُجَّان؛ سُبْجِيّة الأنصاف، بَلُّوريّة الأطراف، جامعة شِيتَها بالترتيب، بين زَمَني الشبيبة والمَشيب؛ فهي قَيدُ الأبصار، وأمدُ الأفكار، ونهايةُ الاعتبار؛ غنيٌ عن الحَلْي عَطَلُها، مُزريةٌ بالزَّهرِ حللُها، واحدةٌ جنسِها، وعالَمُ نفسٍها صنعةُ المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم”.

وفاة الببغاء:-

توفِّي أبو الفرج الببغاء ببغداد وذكر محمد الطباخ أن المنية قد وافته سنة 396 هـ وهذا توهُّم خاطئ وقع
فيه، إذ أجمع كل المؤرخين الثقات الذين ذَكَروا سَنة وفاة الشاعر ومنهم الخطيب البغدادي وابن خلكان،
وابن الأثير وجمال الدين الأتابكي وابن العماد الحنبلي، وحاجي خليفة، وإسماعيل البغدادي، وكارل
بروكلمات، والزركلي على أن الشاعر قد توفي سنة 398هـ.

وفاء أبو الفرج الببغاء
بغداد التي احتضنت الآف المفكرين والشعراء والعلماء

المصادر:-

  • الأعلام (4/177).
  • سير أعلام النبلاء (17/91/رقم 56).
  • العبر في خبر من غبر (2/194).
  • وفيات الأعيان (3/202/رقم 391).
  • يتيمة الدهر (1/293/رقم 19).
  • الأغاني، الأصفهاني.
  • نهاية الأرب، شهاب الدين النويري.
  • Image by Peter van Ginneken from Pixabay
الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق