أعلامانفوجرافيكس

أبو الفرج الأصفهاني .. الكاتب والشاعر اللامع

كتاب الأغاني حفظ كنوزا أدبية خالدة كانت فُقدت لولا عناية الأصفهاني واجتهاده

إن المطلع على كتب التاريخ، والمهتم بسير أصحاب العلم والأدب؛ يجد أن التاريخ العربي والإسلامي مليء بنماذج عدة لعلماء أحاط بهم الغموض والتعقيد إلى جانب إبداعهم وبروز اسمائهم في مجالات تخصصهم واهتمامهم، فهذا أبو الفرج الأصفهاني أحد أعظم من أنجبتهم الثقافة الإسلامية، قد كَثُرت وتَضاربت الأنباء والآراء، حول شخصيته وفكره وعقيدته. فمن هو الأصفهاني، وماهي أهم انجازاته وابداعاته، وكيف نظر معاصروه من العلماء ومن تقدم عنهم إلى فكر هذه الشخصية التاريخية اللامعة؟

أبو الفرج الأصفهاني – التعريف به:-

كان أبو الفرج عليّ بن الحسين بن محمد الأصفهاني أو ( الأصبهاني ) أمويا قرشياً من سلالة مروان ابن محمد آخر خلفاء بني أمية في المشرق، وُلد في أصفهان (الواقعة في إيران حالياً) سنة 284 هـ / 897 م، ونشأ في بغداد، وكان من أعيان أُدبائها، إذ لم يُرَ نظيرٌ له في زمانه في حفظ الشعر والأغاني والأخبار والأحاديث واللغة والنحو، مع الإلمام بالعلوم الحقة، من طبٍّ وبيطرة وفلك. كما عُرف أبو الفرج بحسن شعره وسحر كلامه، ما جعل مجالسته حلوةٌ لا يُملّ منها.

رسم تخيلي لما كانت عليه بغداد في العصر العباسي
رسم تخيلي لما كانت عليه بغداد في العصر العباسي

أبو الفرج الأصفهاني – شخصيته:-

أديبٌ ظريفٌ، سليط اللسانِ، مخشي البادرةِ، ملم بعلوم كثيرة، عالم بالانساب، عارف بالمثالب، ماجعل الناس يهابونه حتى الأمراء منهم، فكانوا يدعونه إلى مجالسهم ويتوددون له لحسن خلقه وطيبة حديثه، رغم أنه قد نُقل عنه أنه كان قليل العناية و زاهداً في مظهره، وحياته من ملبس ومأكل.

تباينت الآراء وتضاربت الأفكار حول شخصية أبي الفرج الإصفهاني، إّذ يتفق العلماء على مكانته الثّقافية والعلمية ولكن يختلفون في قيمته الذّاتية، فيری الثّعالبي أنّه كان من أعيان أدباء بغداد، ويرى ابن خلّكان أنّه روى عن علماء يطول تعدادهم، فكان عالماً بأيام النّاس والأنساب والسّير، كما يصفه ابن النديم بالشاعر المصنف الأديب.

لقد كان أبو الفرج أديباً كاتباً أكثر منه شاعراً، يحسن التأليف والتصنيف، وكفى بكتاب الاغاني دليلا يمثل لنا الأدب الجادّ أصدق تمثيل. كان أسلوبه قصصياً بامتياز، يحسن القص وفن الحكاية، فقيل أنه لا يكف عن موضوعه حتى يخرجه كاملاً محيطاً كافياً. 

جانب من مدينة بغداد في العام 1932 م
جانب من مدينة بغداد في العام 1932 م

الانتقادات التي طالت الأصفهاني:-

الغريب؛ أن رجلاً عالماً وعارفاً بقدر الأصفهاني، قد رسمت كتب المعاصرين له صورة قاتمة و شاحبة، فانتقدوا شكله مراراً، فهو كما ذكرنا لم يكن يعبأ بمظهره الخارجي ، يبدو دائما متسخ الثياب، قذراً في شكله وفعله، بعيداً عن مظاهر السلوك الحميدة والتصرف الأنيق الذي غالباً ما يتصف به دائماً من اعتاد منادمة الملوك والأمراء. وأيا ما كان الرأي حول هذه الصفات، ومدى مبالغة معاصري أبي الفرج في رسم هذه الصورة السوداوية؛ فإن هناك إجماعاً من المؤرخين على سعة علم الرجل، وجودة شعره، وكثرة محفوظه  وتأليفه، بل وأضافوا إلى ذلك أنه قد كانت له رأفة ورحمة بصنوف الحيوان، فكان يأنس بصحبتها، فيطعمها إذا جاعت، ويعالجها إذا مرضت.

وقد أُثرت عنه أبيات رقيقة في رثاء ديك له مات، جاء فيها:

أبكي إذا أبصرت ربعك موحشـا .. بتحنن وتأسـف وشهـــيق

ويزيدنــي جزعــــا لفقدك صــادح .. فــي منزل دان إليَّ لصـيق

فتأسفي أبــدا عليك مُـواصـــل .. بســوادِ ليلٍ أو بيـاض شـروق

وقال أيضاً:

حَـسْبُــــكَ مِـمَّـــا تَبْغيــهِ القُــــوتُ .. مَـــا أَكثرَ القوتَ لِمَـنْ يموتُ

لكُـــلِّ مـا يُـــؤذْي – وإِن قَـــلَّ – أَلَـمْ .. مــا أَطْوَلَ الليلَ عَلى مَـنْ لم يَنَمْ

مَــــا انتفَـــعَ المَـــرْءُ بِمِـثــلِ عقْـــلـِــهِ .. وخيـرُ ذُخْـرِ المرْءِ حُـسْـنُ فعلِــهِ

إنِ الفَـسَـــــــادَ ضِـــدُّه الصَّـــــلاحُ .. ورُبَّ جِــدٍّ جَـرَّهُ المُـــزَاحُ

أبو الفرج الأصفهاني – كتبه ومؤلفاته:-

ولأبي الفرج تآليف غراء أسيرها في الآفاق كتاب الأغاني الخالد، الذي حفظ كنوزاً أدبية خالدة كانت فُقدت لولا عنايته واجتهاده.

وكان غرض أبا الفرج من هذا المؤلف جمع الأغاني العربية المعروفة، قديمها وحديثها، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب بالأغاني، وقد اعتمد المؤلف في ذلك على مائة أغنية كان الخليفة الرشيد كلف بعض كبار المغنيين باختيارها وجمعها، ففعلوا ذلك، ثم ضم الكاتب إليها كل صوت (أغنية) عُرف له قصة تستفاد، وحديثاً يستحسن، على حد تعبيره في مقدمة الكتاب .

وقد ذهب الكثير من علماء العرب إلى أن جل مؤلفات إبي الفرج ترتبط ارتباطاً وثيقا بكتاب الأغاني، وذلك أن هذا الاخير جاء جامعاً لمجالات عديدة من علوم العرب، ومن أسماء مؤلفاته، والتي يمكن دمجها بكتاب الأغاني:- أخبار القيان، الأخبار والنوادر، الإماء الشواعر، أيام العرب، الغلمان المغنون، الحانات، جمهرة أنساب العرب، الخمارون والخمارات، الديارات، رسالة في الأغاني، النغم، مجموع الأخبار والآثار.

أقوال العلماء في أبي الفرج:-

شهد الكثير من علماء العرب بعلم الأصفهاني ومهارته في الكتابة والنظم، بينما ذهب البعض إلى معاداته وانتقاده في علمه وسلوكه وخُلقه، وما ذكر من هذا وذاك ما يلي:

  • تحدث ابن خلدون عن كتاب الأغاني فقال : “وهو لعمري ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن … ولا يعدل به كتاب آخر فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنّى له بها ؟ “.
  • وقال ابن النديم عنهُ: “كان شاعراً مصنفاً أدبياً، وله رواية يسيرة، وأكثر تعويله كان في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد”.
  • بينما قال الإمام الذهبي : “رأيت شيخنا تقي الدين ابن تيمية يضعفه ويتهمه في نقله ويستهول ما يأتي به”.
  • أبدى المستشرقون كذلك إعجابهم الشديد بأديبنا، وتقديرهم العظيم لمؤلفه، فقال المستشرق فارمر عن كتاب الأغاني: ” إنه كتاب من الطراز الأول للتأليف الأدبي لدى العرب، وقد أنفق فيه مؤلفه الجانب الأكبر من حياته..”.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
  • قال عنه أحمد أمين في “ظهر الإسلام” : “أبو الفرج الأصفهاني مؤلِّف كتاب الأغاني، مُتْعَة الأُدَبَاء على اختلاف العُصُور،.. امتاز باطلاعِهِ الواسِع على الشِّعْر والأغاني، والأخبار والنَّسَب، كَمَا كان مُلِمَّاً بآلات الطَّرَب، وَطَرَف منَ الطِّب والنُّجُوم والأشربة، ويقرأ الكُتُب المخطوطة، ويأخُذُ عنها فيقول: نقلتُ من كِتاب كذا.. “.
  • كذلك ذهب البعض إلى تأليف كتب ورسائل للطعن في علم وتكذيب ما نقله من أخبار العرب وسيرهم، فهذا كتاب وليد الأعظمي بعنوان “السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني” ، وكتاب :”كتب حذر منها العلماء” للشيخ مشهور سلمان، وهي كتب ألّفت للغرض المذكور سلفاً.
  • قال عنه الدكتور زكي مبارك في رسالته “النثر الفني في القرن الرابع” : “كان الأصبهاني مُسرفاً أشنَعَ الإسراف في الَّلذات والشهوات، وقد كان لهذا الجانب في تكوينه الخُلُقي أثر ظاهر في كتابه، لأن كتاب الأغاني أحفل كتاب بأخبار الخلاعة والمُجون، وهو حين يعرِض للكتَّاب والشعراء وللولاة والحُكَّام؛ يهتمُّ بسرد الجوانب الضعيفة من أخلاقهم الشخصية، ويُهمِل الجوانب الجِدِّيَّة إهمالاً ظاهراً، يدُلُّ على أنَّهُ قليل العناية بتدوين أخبار الجد والرَّزانة والتجمُّل والاعتدال، وهذه النَّاحية من الأصبهاني؛ أفسَدَت كثيراً من آراء الذين اعتمدوا عليه..”.

لصاحِبِ الأغاني لغةً جَزْلَة سَمْحَة، لم يؤثِّر فيها أُسلوبُ الرَّسائل، فهي تفيضُ طَبعاً وسَلاسَة، وتبرَّأ من كُلِّ تكلُّف وصَنْعَة وتعمُّد للمَجَاز، وجملته رَشِيقَة حُلوة المَسَاغ، فَخْمَة طليَّة، بارِعَة التَّصوير، ملؤُها ماءٌ وحياة، لا ليانَ فِيها ولا جَفَاف، تميلُ إلى القِصَر لِبَلاغَتِهَا وإيجَازِهَا وحُسْنِ اختِيَارِ وحُسْنِ اختيارِ ألفاظِهَا التي تُودِّي حقيقةَ المَعْنى، مِن غَيْرِ تأبُّدٍ وخُشُونة، ولا عَيبَ فيَها غير الإكثارِ من فِعل القَوْل.

— بطرس البستاني.

وفاته:-

بعد عمر مديد من العمل والتأليف، وذيوع الشهرة والصيت، توفي أبو الفرج الأصفهاني في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية وذلك في  14 من شهر ذي الحجة سنة 356 هـ الموافق لـ 20 من شهر نوفمبر سنة 967م.

المصادر والمراجع:

  • عطاء الله، رشيد يوسف 1985: تاريخ الآداب العربية، تحقيق علي نجيب عطوي، المجلد الثاني، بيروت.
  • فروخ، عمر 1991: المنهاج في الادب العربي والتاريخي، منشورات المكتبة العصرية، بيروت.
  • أبو الفرج الأصفهاني 1970: كتاب الأغاني – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وآخرين  الطبعة الاولى- الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر – القاهرة .
  • الزيات، أحمد حسين 2000: تاريخ الادب العربي، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة والعشرون.
  • عزة، حسين 1970: المكتبة العربية-دراسة لأمهات الكتب في الثقافة العربية، الجزء الأول، دمشق
  • الخوئي، السيد: معجم رجال الحديث، الطبعة الخامسة، الجزء الثاني عشر.
  • محمد رجب البيومي، هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد.
  • أدباء العرب في الأعصر العباسية، بطرس البستاني.
  • ظهر الإسلام، أحمد أمين.

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى