أعلام

أبو الفداء .. الملك العالم الموسوعي

كان ماهراً في الفقه والتفسير والنحو وعلم الميقات والفلسفة والمنطق والطب والعروض والتاريخ والشعر

اسمه ونسبه:

هو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الفتح محمود بن السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبي المعالي محمد بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الخطاب عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي.

نشأته:

لم تذكر لنا المراجع الكثير عن طفولته مع كونه سليل ملوك وملكاً بعد بذلك، ولكنها ذكرت لنا أنه كان أميراً بدمشق من جملة أمرائها، وأنه بدأ حياته العسكرية مبكراً حيث شارك عمه وأباه في معاركهما ضد الصليبيين وفتح معهما قلعة المرقب وكان عمره اثنتي عشرة سنة، ولما كان بالكرك (الأردن) خدم الملك الناصر “محمد بن قلاوون” حتى تم تعينه أميراً على حماة.

صورة لقلعة الكرك في العام 1860 م، وهي في المدينة الواقعة في جنوبي الأردن- مكتبة الكونغرس

حياته العلمية:

يعتبر أبو الفداء موسوعة علمية ثقافية متنوعة، فقد نهل من علوم كثيرة وأجاد في فنون متعددة، فكان كما وصفته كتب التراجم “رجلاً عالماً جامعاً لأشتات العلوم، ماهراً في الفقه والتفسير والأصلين والنحو وعلم الميقات والفلسفة والمنطق والطب والعروض والتاريخ وغير ذلك من العلوم، شاعراً ماهراً كريماً، وكان معتنياً بعلوم الأوائل اعتناءً كبيراً، وله يد طُولى في الهيئة”.

ولا ريب أن هذا التنوع الثقافي قد قام على أسس متينة متنوعة، غير أن كتب التراجم ضنت علينا بأخبار حياته العلمية الأولى ولم تذكر لنا أسماء شيوخه ومؤدبيه.

ابن جبير يتحدث عن حماة - أبو الفداء
ابن جبير يتحدث عن حماة التي حكمها عالمنا الموسوعي

وأحسب أن أبا الفداء قد تردد على العلماء والمؤدبين، أو جاء إليه المؤدبون والعلماء شأنه في ذلك شأن أولاد الملوك والأمراء، فأخذ عنهم ونهل من معينهم، وتفتق ذهنه عن عبقرية مبدعة فأصبح “أعجوبة من عجائب الدنيا”.

مصنفاته:

كان من نتيجة الثقافة المتنوعة التي حصلها أبو الفداء أن ألَّف من عدد من الفنون كتباً ذاع صيتها لأهميتها، وانتشر أمرها نظراً لشهرة مؤلفها وهي:

في التاريخ:

  • المختصر في أخبار البشر: وقد أرخ فيه حتى سنة 729 هـ ويعد هذا الكتاب بحق سبب شهرة أبي الفداء، فقد أتمه وذيله من حيث وقف أبو الفداء إلى آخر سنة 749 هـ زين الدين عمر المعروف بابن الوردي المتوفى سنة 750 ههجرية، وسمى كتابه “تتمة المختصر في أخبار البشر” واختصر القاضي أبو الوليد محمد بن محمد بن الشحنة الحلبي المتوفى سنة 815 هـ كتاب أبي الفداء وذيله إلى زمانه، ولقد اهتم المستشرقون أيضاً بكتاب المختصر فترجموه إلى عدة لغات، وطبعوه مراراً.
  • التبر المسبوك في تواريخ أكابر الملوك: وهو مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 547 ويقع في 19 ورقة من الحجم الصغير سرد فيه أبو الفداء أسماء بعض الملوك من غير أن يذكر شيئاً عن أخبارهم.
  • تاريخ الدولة الخوارزمية: وقد انفرد بذكره خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام.
  • مختصر اللطائف السنية في التواريخ الإسلامية.
 كتاب المختصر في أخبار البشر - أبو الفداء
 كتاب المختصر في أخبار البشر – المكتبة الرقمية العالمية

في الجغرافيا:

  • تقويم البلدان: وقد طبع مراراً، وترجم إلى عدة لغات.
أبو الفداء
ترجمة لاتينية قديمة لكتاب تقويم البلدان – المكتبة الرقمية العالمية

في الفقه:

  • نظم أبو الفداء كتاب الحاوي في الفقه الشافعي: لنجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني الشافعي المتوفى سنة 675هـ، وهو من الكتب المعتبرة بين الشافعية.

في الطب:

  • ذكر أن لأبي الفداء “قطعة من كتاب له في الطب في مكتبة مدينة مغنيسا تحت رقم 1836/1 كتب في آخرها: قرأت جميع هذا الكتاب قراءة على مؤلفه مولانا السلطان الملك المؤيد عماد الدنيا والدين أبي الفداء إسماعيل صاحب حماه المحروسة.

في العَروض:

  • شرح قصيدة ابن الحاجب (المقصد الجليل في علم الخليل).
أبو الفداء كتب مصنفاً تناول مساهمات الفراهيدي

في النحو والصرف:

  • شرح منظومة الكافية لابن الحاجب.
  • كشف الوافية في شرح الكافية.
  • الكناش.

وله من الكتب:

  • الموازين.
  • نوادر العلم.
  • مجموعة في الأخلاق والآداب والزهد والوعظ.

مصادر اعتمد عليها في “تقويم البلدان”:-

لقد اعتمد أبو الفداء على ملاحظاته الشخصية إلى جانب عدد من المصادر المكتوبة وذلك لتوثيق ما قام بكتابه في مجال الجغرافيا.

وقد مَنَحَ أبو الفداء بلاد الشام أهمية خاصة في كتاباته الجغرافية وذلك بحكم موقع تواجده، كما كان مصدراً مهماً لذكر مواقع وأحداث مهمة جرت في المنطقة وذلك أثناء تعرضها للغزو الصليبي وسيطرة إحدى الحملات على الساحل الشامي.

وقد تناول العلَّامة التُركي سباهي زاده (المتوفَّى سنة 1588 م) بإعادة الصِّياغة، واعطاه عنوان: “أوضح البلدان والممالك”، وترجم مقتطفات من هذا الكتاب إلى التُركية، وقد راجَ الكتاب لدى الأتراك والفُرس.

وفيما يلي أبرز المصادر التي استند إليها أبو الفداء في توثيقه الجغرافي:

  • أولاً: مشاهدته ومعاينته الشخصية، خصوصاً في ظل طوافه في أرجاء عدد من البلدان والأمصار، خصوصاً بلاد شام التي ارتبط بها كنظيره وسابقه عز الدين بن شدَّاد الحلبي.
  • ثانياً: كُتُب الجغرافيين المسلمين السابقين له، إذ استفاد من كتاب “المسالك والممالك” لابن حوقل، إلى جانب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” للإدريسي، و”المشترك وضعاً والمفترق صعقاً” لياقوت الحموي، و”فتوح البلدان” للبلاذري، فضلاً عن كتابات ابن سعيد المغربي ذات الصبغة الجغرافية.
  • ثالثاً: استفادته من كتاب “المسالك والممالك” أو “العزيزي” والذي ألَّفه المُهلَّبي للخليفة الفاطمي العزيز بالله سنة 375 هجرية (985 ميلادية)، حيث أكثَرَ من النَّقل عنه على نحو ملحوظ.
  • رابعاً: المصادر الشفوية، فقد كان يستطلع آراء الرحَّالة والتُجَّار حول مشاهداتهم للبلدان والمدن والقرى التي جاؤوا منها أو عبروها ، الأمر الذي ساهم في تغذية كتابه “تقويم البلدان” بمادة إضافية ذات قيمة.
  • خامساً: جاء عنوان “تقويم البلدان” في سياق تأثر أبي الفداء بالطبيب العراقي الشهير ابن جزلة المتوفي سنة 493 هجرية (1100 ميلادية) والذي صنَّف كتاباً أطلق عليه الاسم ذاته، وهو الأمر الذي أقرَّه أبو الفداء في مقدمة كتابه.
أبو الفداء استفاد من المساهمات الكبيرة للإدريسي

أبو الفداء يصف بعض المواضع:-

  • بحيرة بانياس: وهي عند بانياس من معاملة دمشق، وهي بطيحة لها غاب قصب ويقلب فيها عدة أنهار من جبال هناك، ويخرج منها نهر الشريعة ويصُب في بحيرة طبريا.
  • بحيرة القاع: وهي مستنقعات وأهياش وأقصاب في جهة الغرب من بعلبك على مسيرة يوم عنها.
  • بحيرة دمشق: في شرقي غوطة دمشق بميلة يسيرة إلى الشمال، يصب إليها فضلة نهر بردا وغيره، وتتسع هذه البحيرة في أيام الشتاء واستغناء الناس عن الأنهر، وتضيق في الصيف، ولها غاب قصب..
  • نهر الأبلة: ويسير نهر الأبلة إلى جهة البصرة ويتفرَّع منه أنهار تسقي ما على جانبيه من البساتين المُلتَفَّة التي هي إحدى متنزهات الدنيا..
  • جبل طارق: ويسمى جبل الفتح لأن المسلمين لجؤوا إليه لما عبروا إلى الأندلس، وهو جبل بجزيرة الأندلس في جانبها الجنوبي، ومنه فتحوا الأندلس، وهذا الجبل يظهر من سبتة، وتقع الجزيرة الخضراء بالقرب من هذه الجبل وهي قبالة سبتة.
  • تلمسان: مدينة مشهورة مسورة في سفح جبل، ولها ثلاثة عشر باباً، وماؤها مجلوب من عين على ستة أميال منها، وفي خارجها أنهار وأشجار ويستدير النهر بقبليها وشرقيها ويدخل فيه السفن اللطاف حيث يصب في البحر، وبقعتها شريفة كثيرة المرافق وهي قاعدة محكمة ولها حصون كثيرة…

وفاته:

بقى أبو الفداء ملكاً على حماة حتى توفي فجأة في الثالث والعشرين من المحرم سنة 732هـ عن ستين سنة إلا ثلاثة أشهر وأياماً.

ابن بطوطة يتحدث عن مآثر مدينة حماة - أبو الفداء
ابن بطوطة يتحدث عن مآثر مدينة حماة

ودفن ضحوة عند والديه بظاهر حماة وقد رثاه جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها:

ما للندى لا يلبي صوت داعيه..

أظن أن ابن شاد قام ناعيه

ما للرجاء قد استدت مذاهبه ..

ما للزمان قد اسودت نواحيه

نعى المؤيد ناعيه فيا أسفا ..

للغيث كيف غدت عنا غواديه

مراجع ترجمته:-

تقويم البلدان، دار صادر، بيروت.

أبو الفداء وتاريخه للدكتور عبد العزيز الدوري.

موسوعة علماء العرب والمسلمين وأعلامهم، محمد فارس.

 الجغرافيون والرحالة المسلمون في بلاد الشام زمن الحروب الصليبية، دكتور محمد مؤنس عوض.

مذكرات أبي الفداء للدكتور نقولا زيادة.

 أبو الفداء ملكاً وعالماً للأستاذ أحمد قدري الكيلاني ولكامل شحادة.

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق