أعلام

أبو العلاء المعري .. الشاعر والفيلسوف الزاهد

لما مات؛ وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه

الشاعر أبو العلاء المعري:-

أحمد بن عبد الله بن سليمان التَّنُوْخِيُّ، أبو العلاء المعري اللغوي الشاعر الفيلسوف، وُلِدَ في معرة النعمان السورية، يوم الجمعة، 17 ربيع الأول، سنة 363هـ.

عمِيَ أبو العلاء وهو ابن أربع سنين إثر إصابته بمرض الجُدري، وهي العاهة الجسَدية التي رافقته حتى مماته، ليُلقِّب نفسه بـ « رهين المحبسين »، نظراً للزومه منزله، وفقدانه عينيه، ثم رأى بأنَّه في ثلاثة سجونٍ لا في محبسين، كما في قوله:

أرانـي في الثلاثــةِ مـن سُجــونــي .. فـــلا تَســأل عــن الخـــبرِ النَّبيثِ

لِفَقـدي ناظـــري، ولــزوم بيتـي .. وكـــون النفس في الجسدِ الخبيثِ

أسرته:-

وهو من بيتٍ عريق بالعلم والمعرِفة واللغةِ وولاية القضاء، فهذه البيئة العلمية الخِصبة، ساعدته في أخذ اللغة والنحو عن أبيه، كما أخذ عن الأخير وعن  أخيه أبي المجد وعن جدِّه الحديث، وقرأ أيضاً على أبي بكر محمد بن سعود بن الفرج النحويّ.

كما دَرَسَ أبو العلاء المعري عند أبي زكريا، يحيى بن مِسعر المعري، فضلاً عن أبي الفرج الحمصي، وعدد من أكابر علماء عصره ومكانه في المعرَّة.

حماة في العام 1898 م وهي المدينة الأقرب لمعرة النعمان
حماة في العام 1898 م وهي المدينة الأقرب لمعرة النعمان

صفاته:-

بقي أبو العلاء المعري خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم؛ تزهداً فلسفياً، فكان نحيف الجسم، وكان قنوعاً، متعففاً، له وقف يقوم بأمره، ولا يقبل من أحد شيئاً، وكان يتوقد ذكاءً، وكان يلبس خشن الثياب.

ذكاؤه:-

كان أبو العلاء المعري شعلةً من النباهة والذكاء، وهبه الله القدرة على حفظ اللغات الأجنبية بمجرد سماعها وحتى إن لم يفهمها، فكانت لديه مقدرة على حفظ كل ما يسمعه، وكأنَّ الله تعالى عوَّضه بنعمة الحفظ عن نعمة البصر التي سُلِبها، ومن نوادره في ذلك ما حكاه تلميذه أبو زكريا التِّبْرِيزي من أنه رأى بعض جيرانه في مسجد معرة النعمان، وكان يقرأ بعض تصانيف أبي العلاء عليه، فتغيَّر  وجه من شدة الفرح، فشعر المعري بذلك من غير أن يرى وجهه، فأخبره الخبر، فأذن له بمخاطبة قريبه، فكلمه باللغة الأذرية -نسبة إلى أذربيجان- فأعاد المعري عليه الحديث باللغة الأذرية من غير أن يفهم منه شيئاً.

طلبه للعلم:-

أخذ المعري علوم القراءات القرآنية بإسناد عن الشيوخ، كما تعلم الحديث في سن مبكرة، ورحل إلى بغداد سنة 398هـ، وأقام فيها سنة وسبعة أشهر، ثم قفل عائداً إلى بلده، فلزم بيته، وأغلق عليه بابه، ولم يسمح لأحد بمخالطته إلا من كان من طلبة العلم.

شعر أبي العلاء المعري:-

كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالْمَعرَّة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، قال الشعر وهو ابن 11 سنة.

لقد حاز المعري فقه وعُمق وأسرار اللغة وامتلك ناصية أدواتها التعبيرية، لتأتي لغته الشعرية -في الغالب- ذات تراكيب معقدة في بنائها، متلونة في دلالاتها، وكأنه “استحيا اللغة، وتلبَّسَها لا لتُعبِّرَ وفق دلالاتها، بل وفق دلالاتِهِ هو نفسه، فكما كان حُرَّاً في تفكيره؛ فقد كان كذلك في بناء ومعنى شعره.

شعره وهو ديوان حكمته وفلسفته، وله شعر كثير منه قوله على لسان رجلٍ أسن وضعف عن لبس الدرع:

أَرَاني وَضَعتُ السَّردَ عنِّي وَعَزَّني.. جَوادي ولَمْ يَنهضْ إلى الغَزوِ أمثالي

وَقِيدَ بيَ العَوْدُ البطيءُ وَقِيلَ لي: وراءَكَ إنَّ الذئب منك على بـالِ

ومن أشعار المعري ما يظهر عقيدته في المصائب، وذلك إذ يقول:

جـــاءَكَ هذا الحُــزنُ مُسْتَجْدِيــاً .. أَجْــرَكَ في الصبر فلا تُجْـدِهِ

سَلِّـــمْ إلـــى اللهِ فَكُــــلُّ الـــذي .. ســـاءكَ أو سَـرَّكَ مِـن عِنـدِهِ

لا يَـعـــدمُ الأسمــــرُ فــي غابـــه .. حَتْفـــاً ولا الأبيضُ في غِمدِهِ

إنَّ الـذي الوَحـشــــةُ فـي داره .. تؤنسُـــهُ الرحمـةُ في لَحـدِهِ

تنزيهه العزيز الحكيم عن التحديد، قائلاً:

النَّــاسُ فـي الأرضِ أجســادُ مُقلَّــدَةٌ.. كالهَديِّ قَلَّدَ، لم يَدعَرهُ تهديدُ

ضَلُّوا عن الرُّشد، مِنهم جاحِدٌ حجِدٌ.. أو مَـن يَحِـدُّ، وهــل للهُ تحديدُ؟

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الذهبي: “لو تَكسَّبَ بالمديح لحصَّل مالاً ودنيا، فإن نظمه في الذِّرْوَةِ، يعد مع المتنبي والبحتري“.
  • وقال ياقوت الحموي: “كان غزيرَ الفضلِ، شائعَ الذكرِ، وافر العلمِ، غاية الفهمِ، عالماً باللغةِ، حاذقاً بالنحوِ، جَيّدَ الشعرِ، جزلَ الكلامِ، شُهرتُهُ تُغني عن صفته، وفضله ينطقُ بسجيته”.
  • قال عنه ابن خلكان: هو متعلِّق باعتقاد الحُكماء، فإنهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنَّه يتعرَّض للحوادث والآفات.
  • ويقول عنه الدكتور عمر فرُّوخ: إذا كانت عبقرية المعري لا تقلُّ عن عبقرية سقراط؛ فإنَّ خياله، في بضع نواحٍ على الأقل، لم يكُن أدنى من خيال أفلاطون، إن الخيال الرحيب الذي يتحلَّى به المعري في رسالة الغفران، تلكَ الرِّحلة الموهومة التي يتخيل المعري فيها الجنَّة والنَّار وما فيهما ومن فيهما؛ لخيالٌ يُقصِّر عن مثله كثيرون من فلاسفة الغرب منذ أقدم العُصور.

لقد كان المعريُّ في فلسفته الأخلاقية مِثالياً ولم يُكن ماديِّاً، ولقَد أوضَحَ فِكرة قُدماء الفلاسفة في الأخلاق، وزَادَ في إيضاحِهَا على المُتأخرين منهم، فكَانَ لنا في لُزُوميَّاتِهِ أعْظَمَ دُستورٍ أخلاقيٍّ على الإطلاق.

د. رضا توفيق

التلفيق عليه:-

الشجرة المثمرة دوماً ترمى بالحجارة، وهكذا كان حال المعري، فمكانته المرموقة خلقت له الحسَّاد والحاقدينَ، الذين اتَّهموا بما هو منه بريء، وبما هو عنه بعيد، ومن هذه الاتهامات التي اتُّهِم فيها المعري:

  • الإلحاد: نسب إليه البعض أنه ألَّف شعراً في الإلحاد، وهذا باطل، ولا يمنع أن يكون المعري قد نقل هذا الشعر عن غيره على سبيل النقد، وما يقطع هذا الاتهام أن المعري قام بتأليف كتاب رد فيه على من يتهمه بهذه التهمة وسمَّاه «زجر النابح»، وقد بيَّن فيه آراء ومذاهب الفرق المتنوعة، وأوضح مقصده الأساسي من شعره، كما أوضح في كتابه «الفصول والغايات» عن إيمانه بالغيب، وعذاب القبر، والبعث، والنشور.
  • نسبته للفاطميين: اتُّهِم أيضاً أنه فاطمي، والعجيب أن يأتي رجل بعلم عبد الله العلايلي لينسبه إلى غير مذهبه بحجج واهنة في كتابه «المعري ذلك المجهول»، ويتناسى أن أبا العلاء أرسل إليه داعي الدعاة الفاطمي هبة الله الشيرازي برسائل، فقد كان أبو العلاء يجادل داعي الدعاة ويحاوره في رسائل عدة ولا يستجيب له، ومات أبو العلاء المعري وهو يراسل داعي الدعاة.
أبو العلاء المعري يتحدث عن الأب في أشعاره

تصانيف أبي العلاء المعري:-

له التصانيف الكثيرة المشهورة، والرسائل المأثورة؛ منها:

  1. رسالة الغفران: كتبها إلى الشيخ علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح جواباً عن رسالة بعث بها إليه.
  2. لزوم ما لا يلزم أو ديوان اللزوميات: ديوان شعري مرتَّب على حروف المعجم، التزم فيه بأوزان الخليل الفراهيدي؛ كهذه الأبيات التي ألزم نفسه فيها بالتاء والألف قبل الروي بالباء:

أَقَــــرُّوا بـالإلــــهِ وَأَثْبَـتـُـــــوهُ .. وقـالـــــوا لا نَبــــيَّ ولا كـــتابُ

ووطءُ بنــاتنــا حـــــلٌّ مـبــــــاحٌ .. رويدكُـــمُ فقــد بَطَــلَ العــتابُ

تمــادَوا في العِتــاب ولـم يتوبــوا .. ولــو سَمعوا صليلَ السيفِ تابوا

وقد اصطدم المعري في “لزومياته” بمشكلة أعظم من تلك التي وقف الفلاسفة المشارقة بإزائها، إذ أنَّه لم يصطدم بالخلاف بين العقل والنقل في الشؤون الإيمانية فحسب كما فعل المعتزلة ومن لحقهم، بل وجَدَ أنَّ العقل يفهم الأمور كلها على غير ما استقرَّت عليه في أذهان العامَّة من النَّاس، وحتى من العلماء والفلاسفة صعوداً إلى أفلاطون وأرسطو، إذ أن قضية النفس في اتصالها بالجَسَد ثم في مصدرها ومصيرها بعد الموت هي موضع تساؤل كما هو الحال بشأن القضايا المتعلقة بصفات الله عزَّ وجل وذاته أو ببعثه الأنبياء والرُّسل، ثم يتخيَّلُ المعري نظام العالم وبالعناصر وما يتألف منها، ثم بالمجتمع ما يتصل به، فكان كل ذلك موضع تساؤل في “لزومياته” وموضع شكٍ فلسفي صريح.

  1. سقط الزَّنْد: كتاب في النظم، وقد شرحه بنفسه، وسماه «ضوء السقط».
  2. الهمزة والردف.
  3. تاج الحرة : كتاب في النساء وأخلاقهن وعظاتهن.
  4. رسالة الملائكة.
  5. اختيارات الأشعار.
  6. الفصول والغابات.
  7. الرسائل المنبجية.
  8. الرسائل الإغريقية.
  9. نظم السور.
  10. عظات السور.
  11. زجر النابح.

قام أيضاً بشرح بعض من الدواوين الشعرية لأعلام الشعر العربي، حيث تحدث عن غريب أشعارهم ومعانيها، ومآخذهم من غيرهم، وما أُخِذَ عليهم، وتوجه بالنقد إليهم في بعض الأماكن، وشروحاته الشعرية هي:

  1. ذكرى الحبيب: شرح فيه «ديوان أبي تمام».
  2. عبث الوليد: شرح فيه «ديوان البحتري».
  3. معجز أحمد: شرح فيه «ديوان المتنبي».

وفاته:-

توفي الشاعر أبو العلاء المعري « رهين المحبسين » في معرة النعمان، في شهر جمادى الآخرة، سنة 449هـ، وأوصى أن يكتب على قبره:

هذا جنـــــاه أبـي علــيَّ ..

ومـــا جنيْتُ على أحَــــد

ولما مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه، وقد رثاه الشاعر والأديب الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار، المعروف بابن أبي حصينة  المعري بقوله:

العلـمُ بعــد أبي العلاءِ مُـضَيَّعُ.. والأرضُ خاليةُ الجـوانِبِ بَلقَـــعُ

أودى وقـد مَـــلأ البِـــلادَ غرائبــاً .. تَســري كما تَسري النُّجـومُ الظلَّـعُ

ما كنـتُ أعلــمُ وهوَ يُــودَعُ في الثرى .. أنَّ الثـرى فــيهِ الكـواكِــبُ تـودَعُ

وعَـجِبتُ أن تَسعَ المعـرَّةُ قــبرَهُ.. ويَضيقُ بَطـنُ الأرضِ عنهُ الأوسـعُ

مـــاتَ النُّهـى وتَعطَّلت أسبـابُـــهُ .. وقَضَـى العُلا والعلمُ بعدَكَ أجمعُ

وفي العام 1944 م؛ وجِّهت للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري دعوة إلى دمشق؛ وذلك للمشاركة في حفل تأبين بمناسبة مرور 1000 سنة على وفاة المعري، وألقى الجواهري في ذلك المهرجان قصيدة بديعة مدح فيها أبي العلاء، قال فيها:

قِفْ بالمعرّة وامسَح خَدَّها التَرِبا.. واستوحِ من طوق الدنيا بما وهبا

واستوحِ مِنْ طبَّبَ الدُّنيــا بحكمَتِهِ.. وَمَــنْ على جُرحِها مِن رُوحِهِ سَكَبَا

وسائل الحُفْرةَ المرمــوقَ جانِبُهـــا .. هـل تبتغي مَطمَعَـاً أو ترتجي طلَـبا

يــا بُـرجَ مفخَرةِ الأجــداث لا تَهِنــي .. أن لَمْ تُكـوني لأبراج السَّــما قُطُبـا

وهل تصَحَّــحَ في عُقبـــاكَ مُقْتَــرحٌ .. مِمَّـــا تفكَّرتَ، أو حَدَّثْتَ، أو كُتِبـا

نَـوَّر لنــا، إِنَّنـــــا في أي مُــدَّلـــجٍ .. مِـمَّـــا تَشكَّكْتَ، إنْ صِدقاً وإنْ كذِبا

أبا العلاءِ، وحتَّى اليومِ ما بَرِحتْ.. صَنَّاجةُ الشِّعرِ تُهدي المترفَ الطَّرَبــا

يستنزِلُ الفكرَ من عَليـــا مَنازِلـــهِ .. رأسٌ ليمسَحَ من ذي نعمـةٍ ذنبا

محمد مهدي الجواهري

المصادر:

  • الأعلام (1/157).
  • سير أعلام النبلاء (18/23/رقم 16).
  • أبو العلاء المعري بين الزمخشري والرازي، البكري والدرة، دار الفراهيدي.
  • عبقرية العرب في العلم والفلسفة، عمر فرُّوخ.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (5/209).
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي.
  • الجواهري في العيون من أشعاره.
  • الموسوعة العربية (13/371).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى