أعلامانفوجرافيكس

أبو العتاهية .. الشاعر المبدع الماجن الزاهد

سريع الخاطر، في شعره إبداع، كان يُنظِّم المئة والمئة والخمسين بيتاً في اليوم

اسمه ونشأته:-

إسماعيل بن القاسم بن سُوَيد بن كَيْسان، أبو إسحاق العَنَزِي الكوفي، الشاعر المشهور، وأبو العتاهية لقب غلب عليه.

قيل: إنه كان مولى عطاء بن محجن العنزي، وقيل كذلك: كان مولى لعبَّاد بن رفاعة العنزي، وقيل أيضاً: بل كان ولاؤه لمندل وحيَّان ابني علي العنزي.

وكان جَدُّ أبي العتاهية، كيسان، من سبي عين التمر، وهو أول سبي دخل المدينة المنورة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهم الذين سباهم خالد بن الوليد وقَدِمَ بهم إلى الصِدِّيق، وكانت أمه مولاة لبني زهرة، تُكنَّى أم زيد.

وُلِدَ أبو العتاهية بعين التمر بالقرب من الكوفة سنة 130هـ، ونشأ بالكوفة، وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار فقيل له: الجرَّار، عُرف عن أبي العتاهية أنه كان من أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمع من الأموال.

أبو العتاهية .. سبب اللقب:-

لُقِّب شاعرنا الكبير بأبي العتاهية؛ لأنه كان فيه عتو وزهو ومجون في حداثته ، فكني بذلك لعُتُوِّه، وقيل: سُمِّي بأبي العتاهية؛ لاضطراب فيه.

ورأي آخر، يرى بأنَّه لُّقِّب بأبي العتاهية، لأن الخليفة العباسي المهدي قال له : أنت مُتحذلِق، ويقال للرجل إذا تحذلق عتاهية.

وُلد أبو العتاهية في الكوفة
وُلد أبو العتاهية في الكوفة

أبو العتاهية الفيلسوف:-

أكثر الناس ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة، وكان يقول بالوعيد وتحريم المكاسب، ويتشيع على مذهب الزيدية.
قال خليل بن أسد النوشجاني: أتى أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أني زنديق، والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا: فقل شيئاً نتحدث به عنك، فقال:

ألا إنَّنَا كُلُّنَا بائدُ
                   وأيّ بَني آدَمٍ خالِدُ؟
وبدؤهُمُ كانَ مِنْ ربِّهِمْ
                   وكُلٌّ إلى رَبّهِ عائِدُ
فيَا عَجَبَا كيفَ يَعصِي الإلهَ
                   أمْ كيفَ يجحدهُ الجاحِدُ
وللهِ فِي كلِّ تحرِيكَةٍ    
                وفي كلّ تَسكينَةٍ شاهِدُ
وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ     
               تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ

أبو العتاهية صاحب المكانة الشعرية:-

شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع، كان يُنظِّم المئة والمئة والخمسين بيتاً في اليوم، حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل.
يعتبر أبو العتاهية من طبقة بشار بن برد، وأبي نُوَاس، وأمثالهما، وكان يجيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره.

اتصل بالخلفاء، وعلت مكانته عندهم، وهجر الشعر مدة، فبلغ ذلك المهدي العباسي، فسجنه ثم أحضره إليه وهدده بالقتل أو يقول الشعر! فعاد إلى نظمه، فأطلقه.

منطقة الهندية الواقعة قرب بغداد في العام 1932 م
منطقة الهندية الواقعة قرب بغداد في العام 1932 م

ومن المديح ما قاله في عمر بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفاً:

إِنِّيْ أَمِنْتُ مِنَ الزَّمَانِ وَصَرْفِهِ
                   لَمَّا عَلِقْتُ مِنَ الأَمِيْرِ حِبَالاَ
لَوْ يَسْتَطيعُ النَّاسُ مِنْ إِجْلاَلِهِ
                   تَخِذُوا لَهُ حُرَّ الخُدُوْدِ نِعَالاَ
إِنَّ المطَايَا تَشْتَكِيكَ لأَنَّهَا
                   قَطَعَتْ إِلَيْكَ سَبَاسِباً وَرِمَالاَ
فَإِذَا وَرَدْنَ بِنَا، وَرَدْنَ خَفَائِفاً
                   وَإِذَا صَدَرْنَ بِنَا، صَدَرْنَ ثِقَالاَ

وله في الزهد أشعار كثيرة؛ منها:

لَعَمرُكَ ما الدُنيا بِدارِ بَقاءِ
                   كَفاكَ بِدارِ المَوتِ دارَ فَناءِ
فَلا تَعشَقِ الدُنيا أُخَيَّ فَإِنَّما
                   تَرى عاشِقَ الدُنيا بِجُهدِ بَلاءِ
حَلاوَتُها مَمزوجَةٌ بِمَرارَةٍ
                   وَراحَتُها مَمزوجَةٌ بِعَناءِ
فَلا تَمشِ يَوماً في ثِيابِ مَخيلَةٍ
                   فَإِنَّكَ مِن طينٍ خُلِقتَ وَماءِ

ومن ذلك قوله:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَه
                   مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَه
حَسْبُكَ مِمَّا تَبْتَغِيهِ القُوْتُ
                   مَا أَكْثَرَ القُوْتَ لِمَنْ يَمُوْتُ
هِيَ المَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ
                   إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخْطَا القَدَرْ

ومن جميل غزله قوله:

حَسْنَاءُ لاَ تَبْتَغِي حَلْياً إِذَا بَرَزَتْ
                   لأَنَّ خَالِقَهَا بِالحُسْنِ حَلاَّهَا
قَامَتْ تَمَشَّى، فَلَيْتَ اللهُ صَيَّرنِي
                   ذَاكَ التُّرَابَ الَّذِي مَسَّتْهُ رِجْلاَهَا

محبته عُتْبة جارية المهدي

اشتهر بمحبة عتبة جارية الإمام المهدي، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك قوله:

أعلَمتُ عُتْبةَ أنّني
                   منها على شَرَفٍ مُطِلُّ
وشكوتُ ما ألقى إليـ
                   ـها والمدامعُ تستهلُّ
حتى إذا برِمَتْ بما
                   أشكو كما يشكو الأقَلُّ
قالت: فأيُّ الناس يعـ
                   ـلم ما تقول؟ فقلت: كلُّ

وكتب مرة إلى المهدي وعرَّض بطلبها منه:

نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ
                   اللهُ وَالقَائِمُ المَهْدِيُّ يَكفِيْهَا
إِنِّيْ لأَيْأَسُ مِنْهَا ثُمَّ يُطْمِعُنِي
                   فِيْهَا احتِقَارُكَ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا

فهمَّ المهدي بدفعها إليه، فجَزِعَتْ، واستعفَّتْ، وقالت: أتدفعُني إلى سُوْقَةٍ، قبيحِ المنظر؟ فعوَّضه بذهب.

ديوان شعره:-

جمع الإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر النَّمِرِيُّ القرطبي ما وجد من زهدياته وشعره في الحكمة والعظة، وما جرى مجرى الأمثال، في مجلد، منه مخطوطة حديثة في دار الكتب بمصر، اطلع عليها أحد الآباء اليسوعيين فنسخها ورتبها على الحروف وشرح بعض مفرداتها، وسماها «الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية».

أقوال العلماء في أبي العتاهية:-

  • قال الشريف العباسي في «شرح الشواهد»: “كان أبو العتاهية في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم”.
  • كان أبو نُوَاس يُعظِّمه، ويتأدَّب معه لدينه، ويقول: “ما رأيته إلا توهمت أنه سماوي، وأني أرضي”.
  • قال أبو العبَّاس المبرِّد :” كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية حسن الشعر، قريب المأخذ، لشعره ديباجة، ويًخرج القول منه كمخرج النفَس قوةً، وسهولة واقتداراً”.
  • وأضاف المبرَّد: كان أبو العتاهية يتمثَّل الأمثال والحِكَم القديمة والحديث المأثور، وأدباء الإسلام يذعنون له في شعره”.
  • ذكر اليزيدي عن الفرَّاء، قال: “دخلتُ على جعفر بن يحيى، فقال: يا أبا زكرياء، ما تقول فيها أقول؟ قُلت: وما تقول، قال : أزعُم أن أبا العتاهية أشعر هذا العصر، فقُلت: هو والله قولي، وهو أشعرهم عندي”.

آراء مع انتقاء بعض شعره:-

وذكر الزبير بن بكَّار في الموفقيات، قال حدَّثتي إبراهيم بن المنذر ومحمد بن الضحَّاك قالا: حدثنا عند الله بن عبد العزيز العمري العابد: أشعر النَّاس أبو العتاهية حيث يقول:

ماضَرَّ مَــن جَــعَـــلَ التُّــرابَ مِهــادهُ … ألَّا يَنامَ على الحَريـــرِ إذا قَنِعَ

رُوي عن رجاء بن سَلمة، قال: قُلتُ لسَلمٍ الخاسر: من أشعر الناس؟

قال: إن شئتَ أخبرتُك بأشعر الجِن والإنس، فقلت: من؟ قال: أبو العتاهية، وأنشدني له:

سكَنٌ يًبقى لَهُ سَكَنُ.. ما بِهذا يُؤذِنُ الزَّمَنُ

قال ابن الآبار: أخبرنا عبد الوراث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير قائلاً: سمعتُ مُصعب بن عبد الله بن الزبير يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، قُلتُ له: بأي شيءٍ استحقَّ ذلك عندك، فقالَ بقوله:

تعلَّقتُ بآمالٍ.. طِوالٍ أيّ آمالِ

وَأقبلتُ على الدُّنيا.. مُلِحّاً أيَّ إقبالِ

فيا هَذا تَجَهَّز.. لِفِراقِ الأهلِ والمالِ

فلا بُدَّ مِنَ المَوتِ.. على حالٍ مِنَ الحالِ

ثم قال مصعب: هذا كلامٌ حقٌ لا حشو فيه ولا نُقصان، يعرفه العاقِل، ويُقِرُّ له الجاهل.

نوادر أبي العتاهية:-

  • كانوا يقولون: إنَّ لأبي العتاهية أعاريض في الشِّعر، وأوزاناً لم تدخل في العَروض، فكان يقول: “أنا أكبر من العَرُوض”.
  • حج أبو العتاهية في زمن المهدي، وضُرِبَت بعده سِكَّةٌ (النقد)، فلمَّا انصرف كتب للخليفة العباسي:

خَبَرونـــــي أنَّ مِن ضَـــربِ السَّـــــنَه .. جُـــدُداً بيضــــاً وحُمــــراً حَسَــــنَهْ

لــم أكُــــن أعهدُهـــــا فيمــا مضــــى .. مثـــــل ما كُــــنتُ أرى كُلَّ سَنَـــهْ

فبعث إليه المهدي بألف دينار جُدُد (ذهبي)، وبعشرة الآف درهم فضي جُدُد.

وفاته:-

توفي أبو العتاهية في بغداد، في شهر جمادى الآخرة، سنة 211هـ، وقيل سنة 213هـ ، وفي هذا السياق؛ قال المسعودي في “مروج الذهب” : ” وفي سنة إحدى عشرة ومائتين، مات أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم، الشاعر، متنسِّكاً لابساً للصوف، وله مع الرشيد أخبار حسان”.

المصادر:

  • الأعلام (1/321).
  • سير أعلام النبلاء (10/195/رقم 43).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/52).
  • وفيات الأعيان (1/219/رقم 94).
  • مروج الذهب ومعادن الجوهر.
  • أبو العتاهية، أشعاره وأخباره، تحقيق شكري فيصل.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق