أعلامانفوجرافيكس

أبو الطيب المتنبي.. أكبر مفاخر الشعر العربي

يتمثَّل المدح كأكثر الأغراض وُرُودًا في شعر المتنبي

اسمه ونشأته:-

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجُعْفِي الكوفي الكندي، أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم، وُلِدَ سنة 303هـ بالكوفة في محلة تسمى كندة، وإليها نسبته، ونشأ بالشام، ثم تنقَّل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وقال الشعر صبياً، وتنبأ في بادية السماوة (بين الكوفة والشام) فتبعه كثيرون، وقبل أن يستفحل أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص ونائب الإخشيد فأسره وسجنه حتى تاب ورجع عن دعواه.

أما أول شعره الذي نظمه ارتجالاً وهو صبي؛ فهو قوله:

بأبـــي مَن وَدِدتُـــــهُ فافتَـــرَقنَا.. وقَضَــى اللَّــهُ بَعدَ ذَاكَ اجتِمَاعَا

فافتَــــرَقنَا حَـــولاً فَلَــمَّا التَقَيـــــنَا.. كَــانَ تسلِيــــمُهُ عَليّ وَدَاعَــا

مكانة أبي الطيب المتنبي الشعرية:-

أحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، ويعتبره كثيرون أكبر شاعر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.

مدينة حلب الشهباء في بداية القرن العشرين
مدينة حلب الشهباء في بداية القرن العشرين – مكتبة الكونغرس الأميركية

وفد على سيف الدولة ابن حمدان (صاحب حلب) سنة 337هـ فمدحه وحَظِيَ عنده، وسُمِّيَ شعره عن سيف الدولة بالسيفيات، وعُدَّت سيفيَّاته من أبواب الشعر العربي، ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي في مجموعة من القصائد الشعرية يُطلق عليها اسم الكافوريَّات، وطلب منه أن يوليه، فلم يولِّه كافور، فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه.

وقصد العراق، فقرئ عليه ديوانه، وزار بلاد فارس فمر بأَرَّجَانَ ومدح فيها ابن العميد وكانت له معه مساجلات، ورحل إلى شيراز فمدح عضد الدولة ابن بُوَيْه الدَّيْلَمي.

فليسَ اليوم مجالس الدَّرْسِ أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأُنس، ولا أقلام كُتَّاب الرَّسَائل أجرى به من ألسُن الخُطَبَاء في المَحافِل، ولا لُحونُ المُغَنِّينَ والقوَّالين أشغلُ به من كُتُب المؤلفين والمُصَنِّفين، وقد أُلِّفَت الكُتُبُ في تفسيرهِ وحَلِّ مُشكلِهِ وعويصِهِ، وَكَثُرَت الدَّفاتِرُ على ذِكْرِ جَيِّدِه وردِيئِهِ، وتَكَّلِم الأفاضِلُ بينه وبين خُصُومِهِ، والإفصاحِ عن إبكارِ كلامهِ وعُونه، وتفرَّقوا فِرَقاً في مدحه والقَدْحِ فيه، والنضحِ عنه والتَّعَصُّبِ لهُ وعليه، وذلكِ أوَّلُ دليلٍ على وُفورِ فضلهِ وتقدُّم قَدَمِهِ، وتفرُّدِهِ عن أهلِ زمانهِ بملْكِ رِقابِ القوافي ورقَّ المعاني.

أبو منصور الثعالبي.

أبو الطيب المتنبي يغادر حلب إلى مصر:-

قد يتساءل البعض عن أسباب مغادرة المتنبي لمدينة حلب نحو مصر، وهو الذي كان يتمتع بمكانة كبيرة لدى سيف الدولة الحمداني، لدرجة أن الأخير كان يمنح الشاعر الكبير كل سنة ثلاثة آلاف دينار، فضلاً عما كان يهبه من اقطاعات وخلع وهدايا على مدار الوقت.

فقد كان لسيف الدولة مجلس يحضره كبار العلماء والأدباء والشعراء، وكانت تحدث فيه مناظرات ونقاشات، ولربما مجادلات محتدمة أحياناً.

ابن خالويه تسبب بخروج المتنبي من حلب

وفي يوم من الأيام؛ وقع كلام وتلاسن بين أبي الطيب والنحوي الشهير ابن خالويه، ليقفز الأخير على الأول ويضرب وجهه بمفتاح كان بيده ليتسبب بشج وجه المتنبي.

وفي هذا الصدد؛ يقول أحمد عبد الغفور عطَّار مُحقِّق كتاب ” ليسَ في كلام العرب” خلال مقدمته للأخير: إن المناظرات والمنافرات التي جرت بين المتنبي وابن خالويه، تنم عن تجني الثاني على الأول، إذ حَسَد المتنبي وحرص على الغضِّ منه والإزراء به، والنمِّ عليه، بغية تنزيل مكانته وحظوته التي نالها لدى سيف الدولة.

وكان أبو الطيب مطمئناً لموقف سيف الدولة إزاء هذه الحادثة، لكن الأمير لم يدافع عن الشاعر الكبير الذي خرج غاضباً ودمه يسيل من وجهه، مقرراً مغادرة المدينة الشهباء في سنة 346 هجرية قاصداً دمشق التي اكتفى وهو في ربوعها بنَظم قصيدةٍ يتيمة في مدح سيف الدولة، لما يحمل له في قلبه من محبة رغم الموقف المذكور.

ثم قصد المتنبي مصر مادحاً كافوراً الإخشيدي، وكان الأخير مُقتراً على الأول، ليقوم أبو الطيب بهجائه، ليرتحل بعد ذلك إلى بغداد، فبلاد فارس مرورا بأرجان وشيراز، ليمدح عضد الدولة البويهي الذي أجزل له العطاء.

أبو الطيب المتنبي – موضوعات شعره:-

اهتم أبو الطيب المتنبي على غرار فحول الشعراء بأكثر الموضوعات الشعرية فمدح، وهجا، وافتخر، ووصف، وشكا، وتغزَّل، وعاتب، ورثا، وبالتالي جاء شعره متنوعاً يتناول أشهر الأغراض الشعرية بدرجاتٍ متفاوتةٍ، ومن هذه الأغراض الشعرية:

1- المدح:-

يتمثَّل المدح كأكثر الأغراض الشعرية وُرُودًا في شعر المتنبي؛ كرَّس فيه أكثر من ثلث ديوانه، ومدح أكثر من خمسين شخصاً، أشهرهم سيف الدولة الحمداني، وكافور الإخشيدي، ومن ذلك مدحه لسيف الدولة بقوله:

فَدَيناكَ مِن رَبعٍ وَإِن زِدتَنا كَــربا.. فَإِنَّـــكَ كُنتَ الشَرقَ لِلشَمسِ وَالغَربا

وَكَيــفَ عَرَفنا رَسمَ مَن لَم يَــدَع لَنــا.. فُؤاداً لِعِرفــانِ الرُسومِ وَلا لُبّا

وَمَدَح سيف الدَّولة وأنشدهُ إيَّاها بآمد وكان مُنصَرِفاً من بلاد الرُّوم وذلك في شهر صفر سنة خمس وأربعين وثلاث مئة (956 م):

الـــرَّأيُ قَــبلَ شَـجَـاعةِ الشُّجْعـــانِ.. هُــوَ أوَّلٌ وَهِــيَ المَحَـلُّ الثَّانـي

فإذا هُمَـا اجتْمَعَـا لنَفْـسٍ حُــرَّةٍ.. بَلَغَـــتْ مِنَ العَليـــاءِ كُلَّ مَكـــانِ

ولَربَّمـــا طَعَــنَ الفَتـى أقْـــرَانَـهُ.. بالـــرَّأيِ قَبْــلَ تَطَـاعُـنِ الأقـرانِ

لَـوْلا العُقـولُ لكـَانَ أدنَـى ضَيغَــمٍ.. أدنَى إلى شَـرَفٍ مِـنَ الإنْسـانِ

قال في سيف الدولة وهو يعوده في مرض:

إذا اعتـلَّ سيـفُ الدَّوْلَـة اعتلَّـتِ الأرْضُ.. وَمَـنْ فوْقَـها والبَـأسُ وَالكَـرَمُ المَـحضُ

وكيـفَ انْتِـفـاعِـي بالرَّقـادِ وَإنَّـمَــا.. بعِـلَّتِـهِ يَـعْتَـلَّ في الأَعْـيُنِ الغُـمْـضُ

شَـفَـاكَ الذي يَـشـفي بِجُـودِكَ خَــلقَـهُ.. فـإنَّـكَ بَـحْـرٌ كـلُّ بَـحْـرٍ لـهُ بَـعضُ

قال وقد عُوفي سَيف الدولة مما كان به:

ألمَـجْدُ عُـوفـيَ إذْ عُـوفيتَ وَالكَـرَمُ.. وَزَالَ عَنــكَ إلى أعدائِـكَ الألَــمُ

صَـحَّتْ بصِـحَّتِـكَ الغَــاراتُ وَابْتَهَـجَتْ.. بِهَـا المكـارِمُ وَانهَـلَّتْ بِهَـا الـدَّيَمُ

وَرَاجَــعَ الشَّـمْسَ نُـورٌ كـانَ فـارَقَـهَـا.. كـأنَّمَــا فَقْـدُهُ في جِسْـمِهَـا سَـقَـمُ

وَلَاحَ بَـــرْقُـكَ لي من عـــارِضَيْ مَلِـكٍ.. ما يَـسـقُطُ الغَيـثُ إلَّا حيـنَ يَبتَسِـمُ

تَفَرَّد العُـرْبُ في الدُّنْيَـا بمَحْتِـدِهِ.. وَشَـارَكَ العُـرْبَ في إِحسـانِهِ العَجَـمُ

فارق المتنبي سيف الدولة، راحلاً إلى دمشق، وكاتبه كافور بالقدوم إليه في مصر، حيث أخلى له كافور داراً وخلع عليه وحمل إليه الآفاً من الدراهم، فقال يمدحه وأنشده إياها في سنة 957 م:

كفى بِـكَ داءً أنْ تَرَى الموْتَ شَـافِيـاً.. وَحَسْبُ المَنَـايَـا أنْ يَكُـنّ أمـانِيَـا

تَمـَنَّيْتَـــهَـا لمَّـا تَمَنّيْــــتَ أنْ تَـرَى.. صَدِيقَـــاً فأعيْـا أوْ عَـدُوَّاً مُـدَاجِيَـا

إذا كُنْتَ تَــرضَـى أنْ تَعِيـــشَ بِذِلَّـةٍ.. فــلا تَسْتَعِدَّنّ الحُسَـامَ اليَمَـانِيَـا

ولا تســتطيلَـــنَّ الــرِّمــــاحَ لِـغــــارةٍ.. ولا تَسْتَجيدَنَّ العِـتَاقَ المَـذاكِيـَا

فمَـَا يَنفَـعُ الأُسْـدَ الحَيَـاءُ من الطَّـوَى.. ولا تُتَّقَـى حَتى تكُونَ ضَوَارِيـَا

قَــوَاصِـــدَ كَــــافُورٍ تَـــــوَارِكَ غَيــرِهِ.. وَمَــنْ قَصَدَ البَحـرَ استقلَّ السَّـوَاقِيَـا

أبَـا المِسْكِ ذا الوَجْـهُ الذي كُنْتُ تَائقـاً.. إِلَـيْهِ وَذَا اليَـوْمُ الذي كُنتُ رَاجِيَـا

أبو الطيب المتنبي.. هل هو أفضل شاعر في التاريخ العربي؟
أبو الطيب المتنبي.. هل هو أفضل شاعر في التاريخ العربي؟

2- الهجاء:-

ومن ذلك قوله يهجي كافوراً:

أُرِيكَ الرِّضَى لوْ أخفَتِ النَّفسُ خافِيـا.. وَمَـا أنَا عنْ نَفسِـي وَلا عنـكَ رَاضِيَـاً

أمَـيْنـاً وَإخْـلافَـاً وَغَـدْراً وَخِـسَّـةً.. وَجُبْنَـاً، أشَـخصَـاً لُحـتَ لي أمْ مخازِيَـا

تَـظُنُّ ابتِسَـامـــاتي رَجَــاءً وَغِبْـطَـةً.. وَمَـا أنَـا إلَّا ضَـاحِكٌ مِـنْ رَجَـائِيَـا

وتُعجِـبُني رِجْـلاكَ في النَّعْـلِ، إنَّنـي.. رَأيتُـكَ ذا نَعْـلٍ إذا كُنتَ حـافِيَا

وإِنَّــكَ لا تَـدْري ألَــونُــكَ أسْـــــوَدٌ .. مِــنَ الجهـلِ أمْ قد صـارَ أبيضَ صـافِيَـا

وَيُذْكِـرُني تَـخيِيطُ كَـعبِـكَ شَـقَّـهُ.. وَمَشـيَـكَ في ثَـوْبٍ منَ الزَّيـتِ عـارِيَـا

وقال في صباه يهجو القاضي الذَّهبي:

لمَّــا نُسِــبْتَ فـكُـــنْـتَ ابْنـاً لِغَيَـرِ أبِ.. ثـمَّ اخْتُـبِـرْتَ فَـلـمْ تَـرْجِعْ إلـى أدَبِ

سُـمّيْتَ بالذَّهَـبيّ اليَـوْمَ تَسْـمِيَةً.. مُشتَقَّـةً مِنْ ذَهَـابِ العَقْـلِ لا الذَّهَـبِ

مُـلَقَّــــبٌ بِـــكَ مَـا لُقِّـبْــتَ وَيْـــكَ بِــهِ.. يــا أيُّــها اللَّقَـبُ المُـلقَى على اللَّــقبِ

3- الفخر:-

كان أبو الطيب المتنبي شاعراً مغروراً، يؤمن بتفوقه على البشرية طموحاً وذكاءً، وشجاعةً وصبراً، وقد دفعه ذلك كله إلى الإعجاب بنفسه والافتخار بها في كل مناسبةٍ حتَّى لا تكاد قصيدة واحدة من قصائده تتجرد من الفخر، ومن ذلك قوله:

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمَى إلى أَدَبـــي.. وأَسمَعَتْ كَلِماتي مَن بِهِ صَــــمَمُ

أنَامُ مِلْءَ جُفُونـي عَـنْ شَوَارِدِهَـا.. وَيَسْهَـرُ الخَلْـقُ جَرّاهَـا وَيخْتَصِـمُ

فالخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي.. والضَّربُ والطَّعنُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

4- الرثاء:-

عرف المتنبي الرثاء كغيره من الشعراء، وأشهر من رثاهم جدته، وأقارب سيف الدولة، وأبو شجاع فاتك، ومحمد بن إسحاق التنوخي، ومن ذلك قوله في رثاء أخت سيف الدولة الصغرى:

وَلَذيذُ الحَياةِ أَنفَسُ في النَّفــسِ.. وَأَشهى مِن أَن يُمَلَّ وَأَحلى

آلَــةُ العَيــشِ صِحَّــةٌ وَشَـــــــــبابٌ.. فَــإِذا وَلَّيا عَنِ الـمَرءِ وَلّـــى

وقال يرثيها أيضاً:

يـا أُخْـتَ خَـيرِ أخٍ يـا بِنْتَ خَـيرِ أبِ.. كِـنَايَـةً بهِمَـا عَـنْ أشـرَفِ النَّسَـبِ

أُجِــلُّ قَـــدْرَكِ أنْ تُـسْمَيْ مُـؤبَّنَــةً.. وَمَـنْ يَصِفْـكِ فقَـدْ سَمَّاكِ للعَـرَبِ

لا يَـمْلِـكُ الطَّـرِبُ المَـحزُونُ مَـنطِقَـه.. وَدَمْعَـهُ وَهُمَـا في قَبضَـةِ الطَّرَبِ

غَـدَرْتَ يا مَوْتُ كَـمْ أفنَيـتَ من عـدَدٍ.. بِمَـنْ أصَبْتَ وكَـمْ أسكَـتَّ مِن لجَـبِ

توفي فاتك المجنون في مصر، يوم الأحد، 11 شوال، سنة 350هـ، فرثاه المتنبي -وكان قد خرج من مصر- بأبيات مشهورة، قال فيها:

الحُــزنُ يُقلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَـــردَعُ.. وَالدَمـــعُ بَينَهُمـا عَصِيٌّ طَيِّــــعُ

يَتَنـازَعــانِ دُمــــوعَ عَيـــنِ مُسَهَّــدٍ .. هَــذا يَجـــيءُ بِهـا وَهَذا يَرجِـــــعُ

النَــــومُ بَعدَ أَبي شُجـــاعٍ نافِـــرٌ.. وَاللَيـلُ مُعــيٍ وَالكَواكِبُ ظُلَّــــعُ

إِنّــي لَأَجبُنُ مِن فِــراقِ أَحِبَّتـــي.. وَتُحِـــسُّ نَفسي بِالحِمامِ فَأَشجَعُ

وَيَزيدُني غَضَبُ الأَعـادي قَسـوَةً.. وَيُلِـــمُّ بـي عَتبُ الصَديقِ فَأَجـزَعُ

تَصفو الحَياةُ لِجـــاهِلٍ أَو غافِـــلٍ.. عَمّــــا مَضى فيهــــا وَما يُتَوَقَّـــعُ

أَيَموتُ مِثلُ أَبي شُجاعٍ فاتِـــــكٌ.. وَيَعيشُ حاسِدُهُ الخَصِيُّ الأَوكَعُ

كثيرون يعدون المتنبي أكبر شعراء العربية على الإطلاق

سمات شعر المتنبي:-

  • شاعر من شعراء المعاني، حيث جعل أكثر عنايته بالمعنى.
  • خَرَج بالشعر عن أساليبِ العرب التقليدية، لذا فهو يعتبر إمام الطريقة الابتداعية في الشعر العربي.
  • بروز شخصيته في شعره وصديق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس، ومشاغل الناس.
  • شعرهُ زاخِرٌ بالحِكَمِ والأمثال، ويقع النَّظر على حِكَمِه وأمثاله حيثما قلَّبتَ صفحات ديوانه، تجِدها بغير إطالة ولا جهد بحث.
  • هو من بين أولئك النوادِر الذين يُعرَفون بالبيت الواحِد من أشعارهم، بل بالشَّطرِ المنفرد من البيت، لأنه قد عُرِف بأبياته التي سارت مسير الأمثال.
  • اختص في الإبداع في وصف القتال، وإبداع المديح وإيجاع الهجاء.
  • أبدع في التشبيب بالأعرابيات، وأجاد في التشبيه، وإرسال المثلين في بيت واحد، وحصن التخلُّص، وصحة التقسيم.
  • كان شعره في كل عصر مراد لكل كاتب، ومثلاً لكل خاطِب فهو الذي ارتقى بالتعبير عن أهواء القلوب وحقائق الوجود، وأغراض الحياة.
  • شِعرُه يمثِّل خلاصة تجارب حياة خبير، بما انطوت عليه من أمل ويأس، وفرح وحُزن، وفلاح، وخيبة، وبُغض، وخلاف، ووفاق.

إذا غــامَــرْتَ في شَـــرَفٍ مَــــــرُومِ.. فـــلا تَقنَــع ِبمــــا دُونَ النُّجــومِ

فَطَعْــمُ المَــوْتِ في أمْـرٍ حَقِــيرٍ.. كطَــعْـمِ المَــوْتِ في أمْــرٍ عَــظـيمِ

أبو الطيب المتنبي في الميزان:-

  • قال الواحدي في شرح ديوان أبي الطيب: ” وإن النَّاس منذ عصرٍ قديم قد ولَّوا جميع الأشعار صفحة الإعراض مقتصرين منها على شعر أبي الطيب المتنبي، نائين عمَّا يُروى لسواه، وإن فاتهُ وجازَ في الإحسان مداهُ، وليس ذلكَ إلَّا لبختٍ اتفقَ لهُ فبلغ المدى”.
  • قال عنه ابن جني: ” فأما اختراعه للمعاني وتغلغله فيها، واستيفاؤه لها؛ فمما لا يدفعهُ إلَّا ضِد، ولا يستحسن معاندته إلَّا نِد”.
  • وتحدَّث ياقوت الحموي في “معجم الأدباء” حول انشغال عشرات الأدباء بشرح ديوان المتنبي، قائلاً: “لم نسمع بديوان شعرٍ في الجاهلية ولا في الإسلام، شُرِح بهذه الشروح الكثيرة، سوى هذا الدِّيوان، ولا بتداول شعر في أمثالٍ أو طُرَفٍ أو غرائب على ألسنة الأدباء في نظمٍ أو نثرٍ أكثر من شعر المتنبي”.
  • أبدى القاضي أبو الحسن الجرجاني توسُّطاً في سياق حديثه عن أبي الطيب ذاكراً أن ” قوماً مالوا إليه حتى فضَّلوه في الشِّعر على جميع أهل زمانه، وقضوا له بالتبرز على أقرانه.. وقوماً لم يعدوه من الشعراء وأزروا بشعره غاية الإزراء.. وذكروا .. معانيه كلها مسروقة أو عُور..”.

كُــلَّ يــوْمٍ لَــكَ احتِمَــالٌ جـَــديدٌ.. وَمَســيرٌ للــمَجْــدِ فِيـهِ مُقـــامُ

وإذا كـــانَتِ النُّفــــــوسُ كِــبـــاراً.. تَعِبَــتْ في مُــرَادِهــا الأجْسَـامُ

من روى عن أبي الطيب:-

ذكر ابن العميد (558-660 هجري) بأن الذين رووا عن أبي الطيب مجموعة كبيرة من بين أبرزهم:-

  • القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي.
  • أبو الفتح عثمان بن جنّي النحوي.
  • أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسين بن الساربان الكاتب.
  • أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه.
  • أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي.
  • أبو الحسن علي بن عيسى الربعي.
  • أبو القاسم بن حسن الحمصي.
  • عبد الصمد بن زهير بن هارون أبي جراده.
  • محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، وعنه أخذ أبو العلاء المعري رواية ديوان المتنبي.
  • عبد الله بن عبيد الصفدي.
  • أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المغربي.

كَتَـمْـتُ حُـبَّــكِ حتى مِنــكِ تكـرمـَـــةً.. ثـم اسْتَوَى فِيــهِ إسراري وإعلانــي

كأنَّـهُ زادَ حتَّى فـَـاضَ عَـنَ جَسَدي.. فصَـارَ سُـقْمي بِهِ في جِـسْمِ كِتماني

وفاة أبي الطيب المتنبي:-

عاد يريد بغداد فالكوفة، فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعةٍ من أصحابه، ومع المتنبي جماعةٌ أيضاً، فاقتتل الفريقان، فقُتِلَ أبو الطيب وابنه مُحسَّد وغلامه مفلح سنة 354هـ، وفاتك هذا هو خال ضبَّة بن يزيد الأسدي العيني، الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية.

مَا أنْصَفَ القَـوْمُ ضبَّهْ.. وَأُمَّهُ الطُّرطُبّهْ

وإنَّمَا قُـلْـتُ مَا قُــلْـ.. تُ رَحْمَةً لا مَحَبَّـهْ

وَحيلَةً لَكَ حَـتَّــى.. عُذِرْتَ لـوْ كُنْـتَ تَأبَهْ

وَمَا عَلَيْـكَ مِـنَ الغَـدْ.. رِ إِنَّمَـا هِـيَ سُـبَّـهْ

يَا قَـاتِلاً كُـلَّ ضَيْفٍ.. غَنَاهُ ضَيْحٌ وَعُلْـبَهْ

وَخَوْفَ كُـلَّ رَفِـيـقٍ.. أبَاتَكَ اللَّـيْلُ جَنْبَـهْ

إنْ أوْحَشَتْـكَ المَعَالي.. فـإنَّهَا دارُ غُرْبَـهْ

أوْ آنَسَـتْكَ المَخَازي.. فإنَّهَا لَكَ نِسْـبَــهْ

ولمَّا قُتِلَ المتنبي؛ رثاهُ أبو القاسم المظفَّر بن علي الطَّبسي، بقوله:

لا رَعى اللــــه سِرْبَ هــــذا الزَّمــــان… إذ دَهَـــانـا في مِــثـلِ ذاكَ اللِّسَـانِ

مَــا رأى النَّــــــاسُ ثـانِــيَ المُتَنَبِّـــــي… أيُّ ثَــانٍ يُــرى لِـبِـكْـرِ الـزَّمــانِ

كَــانَ مِــنْ نفسِـــهِ الكــبيرةِ في جَــيْ.. ـشٍ وفي كِــبْرِيـاءِ ذِي سُــلطـانِ

هُــــوَ في شِـــــعْـرِهِ نَبــيٌّ، ولَـكِـنْ.. ظَهَـــرَتْ مُــعْجِـزَاتُــه في المَعَـــانـي

ذلكم أبو الطيِّب المتنبي الذي ملأ الدُّنيا وشغل الناس قد ورَّث الأدب العربي ثروةً بشعره، وما زال حتَّى اليوم مدار البحث والمناقشة والدراسة والإعجاب، فلم يزده الزمان إلَّا نباهةً، ولا قِدَم الأيَّام إلَّا حداثة.

المصادر:

  • الأعلام (1/115).
  • تاريخ بغداد (5/164/رقم 2027).
  • الخصائص الفنية والمعنوية في مدائح أبي الطيب المتنبي (40).
  • ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة.
  • شرح ديوان أبي الطيب المتنبي لأبي العلاء المعري، تحقيق عبد المجيد دياب.
  • الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي الجرجاني.
  • ليس في كلام العرب، ابن خالويه، تحقيق أحمد عبد الغفور عطَّار، مكة المكرمة.
  • سير أعلام النبلاء (16/199/رقم 139).
  • يتيمة الدهر (1/141).
  • وفيات الأعيان.
  • أمراء الشعر في العصر العباسي، أنيس الخوري.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى