أخبار العربانفوجرافيكس

أبو الشمقمق .. الشاعر الهجاء الساخر

كان قبيح المنظر، كبير الأنف، واسع الشدقين، وامتزج ذلك بسوء الخُلق، فقد اتصف بالشدة، وفحش الكلام، بالإضافة إلى حبه للفكاهة.

اسمه ونشأته:-

مروان بن محمد، أبو محمد، يُعرَف بأبي الشمقمق ، والشَّمَقْمَق: تعني الطويل، وهو خراساني الأصل، بصري النشأة، من موالي بني أمية، وُلِدَ نحو سنة 112هـ-730م.

صفاته:-

كان قبيح المنظر، كبير الأنف، واسع الشدقين، وامتزج ذلك بسوء الخُلق، فقد اتصف بالشدة، وفحش الكلام، بالإضافة إلى حبه للفكاهة.

مدينة البصرة بنهاية القرن التاسع عشر حيث ولد أبو الشمقمق
البصرة بنهاية القرن التاسع عشر.

ويبدو أن شاعرنا كان سيء الحظ، لازمه الفقر طيلة حياته، ما دفعه لسلوك طريق غريب من نوعه، الأ وهو طريق التسلط على أبناء جنسه من الشعراء، يفرض عليهم الجزية، فيؤدوها له “عن يد وهم صاغرون”، مداراة لسفاهته وسلاطة لسانه.

شعره:-

يعتبر من شعراء العصر العباسي، وقد غلب على شعره السخرية والهجاء، ولم يصل شعره إلى منزلة الشعراء البارزين في ذلك العصر، وقد تمادى على بعض شعراء عصره.

رحل إلى مدن كثيرة يمدح ولاتها ويكسب عطاياهم، ومن ذلك أنه مدح خالد بن يزيد بن مزيد حين ولَّاه المأمون على الموصل، ولم يسلم بعضهم من هجائه؛ كيحيى بن خالد البرمكي، وغيره.

وكان فقيراً، لا يتمتع بأي منزلة أو مكانة مرموقة أو نسب فاخر؛ لذلك استغل سلاطة لسانه لابتزاز بعض الناس، كما كان يفعل مع بشار بن بُرد، وسلم الخاسر، وغيرهما، وفي شعره ما يدل على فقره وحرمانه فقد وصف حياته في بيته المتواضع بقوله:

في مبيت من الغَضــارة قفر ..

ليس فيه إلا النوى والنخــاله

عطّلته الجــرذان من قلة الخيــــ ..

ــــر وطار الذباب نحو زبالــه

اتسم الشاعر أبو الشمقمق بالهزل الكثير والجد القليل
اتسم الشاعر بالهزل الكثير والجد القليل ( تعبيرية)

وقال أيضاً:

برزت من المنازل والقبـاب ..

فلم يعسر على أحــد حجابي

فمنزليَ الفضاء وسقف بيتي ..

سماء الله أو قطع السحــاب

فأنت إذا أردت دخلت بيتي ..

عليّ مسلّماً من غـير بــاب

لأني لم أجد مصـراع باب ..

يكون من السحاب إلى التراب

غلب على شعره الهجاء والهزل والشكوى من الفقر وسوء الحال، وقل في شعره الحماسة والفخر والغزل والمديح، ومعظم شعره من المقطّعات والأوزان الخفيفة.

قال أبو الشمقمق يسخَر بمعاصِريه من الموالي والعرب:

ذَهَبَ الموالِ فلا موالِ قد فُجِعْنا بالعرَبْ

إلَّا بقايا أصْبحوا بالمِصْرِ من قِشْرِ القَصَبْ

بالقولِ بَذُّوا حاتماً والعقلُ ريحٌ في القِرَبْ

حواره مع الفأر والبرغوث:-

ومن غرائبِ أبي الشمقمق؛ حديثه مع الفأر، حيثُ قال:

أخذَ الفأرُ بِرِجلِي جَفَلوا منها خِفَافِي

وسراويلاتِ سوءٍ وتبـــــابينَ ضِعافِ

دَرَجوا حولي بِزَفنِ وبضـربٍ بالدفافِ

قُلتُ: ما هذا؟ فقالوا: أنتَ من أهل الزِّفافِ

سَاعةَ ثُمَّتَ جَازوا عَن هوايَ في خلافِ

نقروا إستِي وباتوا دونَ أهلي في لِحافِ

لَعَقُوا إستي وقالوا ريـــحُ مسكٍ بِسُلافِ

صَفَعُوا نَازُويَه حتى استهلَّت بالرُّعافِ

من أوصافه الغريبة؛ وصف حالته مع برغوث، قائلاً:

يا طُولَ يومي وطُولَ لَيْلَتِهِ .. فليُهنَ بُرْغوثُهُ بِجَذْلَتِهِ

قد عَقَدتْ بَنْدَها على جَسَدِي .. واجتَهَدَتْ في اقْتِسَامِ جُمْلَتِهِ

ومن قوله الفاحش في المدح والذم:

أهلُ جودٍ ونائلٍ وفَعالٍ.. غَلَبُوا النَّاسَ بالنَّدى والعطيِّهْ

جئتُهُ زائراً فأدنَى مكاني.. وتلقَّى بِمرْحَبٍ وتحيَّهْ

لا كمِثْلِ الأصَمِّ حارِثةِ اللؤمِ.. شبيهِ الكُلَيبة القَلَطيَّهْ

جئتُهُ زائراً فأعرَضَ عَنِّي.. مثلَ إِعراض قحبةٍ سُوسِيَّهْ

وَتولَّى كأنَّهُ أير بغلٍ.. غابَ في دُبْرِ بَغلَةٍ مِصريَّهْ

أقوال العلماء فيه:-

قال ابن المعتز: “وشعر أبي الشَّمَقْمَق نوادر كله”.

أمَّا المرزباني؛ فقد قال عنه: “إنّ شِعر أبي الشمقمق فيه هجاء كثير.. وألفاظه أكثرها ضعيف، وربما ندر له البيت”.

اب خلكان تحدث عن أبو الشمقمق
ابن خلكان.. الشخصية الكبيرة التي أرَّخت لكثير من الأعلام

اللافت أن ابن خلكان يقول عنه “الشاعر الكوفي”، وهذا يخالف الإجماع على أن بصري.

قال عنه ابن عبد ربه الأندلسي: وكان أبو الشمقمق متبرِّماً بالنَّاس، وقد لَزِمَ بيته في أطمار مسحوقة، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه خَرَج، فينظُر من فروج الباب، فإن أعجبه الواقف؛ فَتَحَ له وإلَّا سَكَتَ عنه، فأقبل إليه يوماً بعض إخوانه المُلطفين له، فَدَخَلَ عليه، فلمَّا رأى سوء حاله، قال له: أبشِر أبا الشمقمق، فإنا رُوينا في بعض الحديث أنَّ العارين في الدُّنيا هم الكاسون يوم القيامة، فقال : إن صحَّ هذا الحديث كُنتُ أنا في ذلك اليوم بزَّازاً، ثم أنشأ يقول قطعة منها:

أنا في حال تعالى الله .. ربي أيّ حالِ

ليس لي شيء إذا قيل.. لِمَن ذا قُلتُ لي

ولقد أفلسْتُ حتى.. حلَّ أكْلِي لِعِيَالي

علاقته مع أبي العتاهية:-

لقد واظب أبو الشمقمق في اعتراضه على أبي العتاهية نظراً لملازمته المُخنَّثين بقوله له:

أمِثلُك يضع نفسه هذا الموضعَ مع سِنَّك وشِعرك وقَدْرَك؟

فقال له أبو العتاهية: أُريدُ أن أتعلَّم كِيادَهم، وأتحفَّظ كلامهم.

هذا وقد اجتمع الإثنان في بيت ابن أذَيْن، وكان بينهما شَرّ، فأخفوا أبا الشمقمق من أبي العتاهية الذي دَخَلَ فنَظَر إلى غُلام عندهم فيه تأنيث، فظَنَّ أنَّه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرَفْتَ هذه الجارية؟

فقال: قريباً با أبا إسحاق، فقال: قُلْ فيها ما حَضَر، فمدَّ أبو العتاهية يده إليه وقال:

مَدَدْتُ كَفّي نحوَكم سائلاً.. ماذا تَرُدُّون على السَّائل

فلم يلبث أبو الشمقمق أن ناداه من البيت قائلاً:

نردُّ في كفّكَ ذا فَيْشةٍ يشفي .. جوّى في استِكَ من داخِلِ

علاقته مع بشَّار بن بُرد:-

لقد نشأت علاقة خاصة ما بين كل من أبي الشمقمق والشَّاعر المعروف بشَّار بن بُرد الذي كان يعطيه كل سنة مئتي درهم، فجاء الأول للثاني يوماً فقال له: هلُمَّ الجِزية يا أبا مُعاذ.

فقال بشَّار: ويحَك، أجِزية هيَ؟

قال أبو الشمقمق: هوَ ما تسمع؟

فقال له بشَّار يُمازحه: أمن أفصَح مِنّي؟ قال : لا.

قال: فأعلمُ مِنّي بمثالب النَّاس؟، قال: لا.

قال: فأشعَر مِني؟، قال: لا.

قال: فَلِمَ أُعطيكَ؟، قال أبو الشمقمق: لئلا أهجُوَك.

فقال: إن هجوتَني هجوتُك، فقال له أبو الشمقمق: هكذا هوَ؟

قال : نعم، فقُل ما بدَا لكَ، فقال أبو الشمقمق:

فقال أبو العتاهية: شمقمق والله! وقام مُغضباً.

إني إذا ما شاعِر هجانيهْ وَلَجَّ في القول لهُ لِسانِيَهْ

أدخلتهُ في أست أمه علانيهْ .. بشَّار يا بشَّار ..

وأراد أن يقول : يا ابن الزَّانية، فوَثَبَ بشَّار فأمسَكَ فاه، وقالَ : أرادَ والله أن يشتمني، ثم دَفَعَ إليه مائتي دِرهم، ثمَّ قال: لا يسمَعنّ هذا منكَ الصِّبيان يا أبا الشمقمق.

رأي أحد محققي ديوانه الشعري:-

الدارس لشعر أبي الشمقمق يجد فيه الجزالة والقوة، والحفاظ على عمود الشعر القديم، ويجد كذلك القصائد الطوال، إلى جانب السلاسة والضعف والأبيات المفردة المنثورة هنا وهناك.

كما أنه يجيد معظم فنون الشعر من مدح وهجاء وحكمة ووصف قل نظيره في الأدب العربي، خصوصاً حينما يسترسل في وصف بيته وفقره وحديثه مع سنوره، فهو بذلك كله يقفز قفزة واسعة في مجال التجديد في الشعر العربي من حيث الأسلوب والموضوع، وذلك بحسب ما ذكره الدكتور واضح محمد الصمد الذي جمع وحقق وشرح ديوان شاعرنا.

وقال الصمد : إن أبا الشمقمق يعكس لنا صورة عن المجتمع العباسي في مختلف طبقاته الاجتماعية، السفلى والعليا، الفقيرة والغنية، الوقورة المحافظة والساخرة الماجنة.

وقد كان شاعرنا نادر الحظوة عند الخلفاء والأمراء، لذلك سبيلاً جديداً في الشعر، ويتمثل في الابتعاد عن الخاصة والاقتراب من العامة، أو بشكل أدق، الابتعاد عن الرسمية والاقتراب من الشعبية.

لو رَكِبْتُ البِحارَ صارتْ فِجَاجاَ .. لا تَرى في مُتونِها أمْوَاجَا

ولو أنّي وَضَعْتُ ياقوتةً حَمْرَاءَ .. في راحَتِي لَصَارَتْ زُجَاجَا

ولو أنّي وَرَدْتُ عَذْباً فُرَاتاً .. عادَ لا شكَّ فيه مِلْحَاً أُجاجَا

واصفاً سوء الحظّ والنَّحس الذي يلازمه

وتساءل الصمد عن شاعرنا بالقول: ” هل ساهم فقره في سلوكه لهذا الطريق وبالتالي الحد من إنتاجه الشعري، ما دفعه إلى البذاءة والمجون الرخيص؟ وكيف نصنفه؟ وفي أية مرتبة نضعه؟.

وزاد الصمد .. حسبنا أن نردد مع أبي العباس المبرد ” كان أبو الشمقمق ربما لَحَنَ ويهزل كثيراً ويُجِد فيكثر صوابه”.

المبرد.. أحد أكبر أعلام النحو على الإطلاق يتحدث عن أبو الشمقمق
المبرد.. أحد أكبر أعلام النحو على الإطلاق

ما جَمَعَ النَّاسُ لِدُنياهُمُ .. أنفَعَ في البيتِ من الخُبْزِ

والخُبزُ بالَّلحمِ إذا نِلتَهُ .. فأنتَ في أمْنٍ مِنَ التَّرْزِ

والْقَلْزُ من بعدُ على إثرِهِ .. فإنَّما الَّلذاتُ في القَلْزِ

واصِفاً فقره ويسأل الخبز لأطفاله في رمضان وقد اقترب العيد

وفاته:-

توفي أبو الشمقمق نحو سنة 200هـ-815م.

المصادر:

الأعلام (7/209).

الموسوعة العربية (11/777).

ديوان أبي الشمقمق، الدكتور واضح محمد الصمد.

الحيوان، الجاحظ.

Photo by Dahlia Delmoradi on UnsplashCopy

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى