أعلام

أبو الحسن الشاذلي .. المتصوف المغربي الكبير

تعرف في فاس على عبد السلام بن مُشَيْش، فلزمه، واتخذه إماماً وشيخاً

أبو الحسن الشاذلي –اسمه ونشأته:.-

أبو الحسن الشاذلي هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز، تقي الدين أبو الحسن الشاذلي المغربي، الزاهد شيخ الطائفة الشاذلية، ولد في بلاد غمارة بريف المغرب سنة 591هـ، ونشأ في بني زَرْوِيل قرب شفشاون الواقعة شمال المغرب.

أبو الحسن الشاذلي – منزلته ومكانته:-

كان أبو الحسن الشاذلي من كبار المتصوفة، وهو صاحب الأوراد المسماة «حزب الشاذلي»، اشتغل بالعلوم الشرعية، حتَّى أتقنها، وصار يناظر عليها، مع كونه ضريراً، ثم سلك منهاج التصوف، وجدَّ واجتهد، حتَّى ظهر صلاحه وخيره، وطار صيته وفضله في الآفاق، وحُمِدَ سره وسريرته.

بدأ أبو الحسن الشاذلي حياته بحفظ القرآن الكريم وتعلم العلوم الشرعية، وطلب الكيمياء في ابتداء أمره، ثم تركها ورحل إلى بلاد المشرق فحج، وزار فلسطين والشام والعراق، وعاد إلى المغرب، فكان من محاسن الصدف أن تعرف في فاس على الشيخ الصوفي عبد السلام بن مُشَيْش، فلزمه، واتخذه إماماً وشيخاً، وقد دفعه دفعاً إلى أن يعيش للتصوف ومحبة الله.

الإدريسي يصف فاس التي شهدت لقاء الشاذلي بعبد السلام بن مشيش

انتقل بعد ذلك إلى شاذلة قرب تونس، وهناك أخذ ينشر في الناس الدعوة إلى التصوف، ولصقت البلدة باسمه حتى اشتهر باسم الشاذلي، وفيها تعرَّف بتلميذه أبي العباس المرسي وتوثقت الصلة بينهما فى الله ومحبته.

 ثم سكن الإسكندرية سنة 642هـ، وصحبه بها جماعة، وانتفع الناس بحديثه الحسن وكلامه المطرب، وطار صيته في الإسكندرية والقاهرة والمدن المصرية، وكان يحضر مجالسه في مدرسة الحديث الكاملية شيوخ الإسلام حينئذ وأكابر العلماء من الفقهاء والمحدثين والمفسرين؛ أمثال الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان يُلقي دروسه ومواعظه في الإسكندرية بجامع العطارين، وفي هذه الأثناء أصاب عينيه رمد أفقده بصره.

وكان أبو الحسن الشاذلي إذا ركب تمشي أكابر الفقراء وأهل الدنيا حوله، وتُنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الصنوج بين يديه.

أبو الحسن الشاذلي – نظرته للتصوف:-

هاجم الإمام أبو الحسن الشاذلي بقوة حياة التسول التي كان يعيشها الدراويش الرُّحَّل، فالصوفي الحقيقي عنده لا يكون سائلاً ولا طفيلياً يمد يده للغير، بل لا بد أن يعتمد على نفسه في كسب قوته، فتصوفه أو طريقته الصوفية كانت طريقة سنية.

اشتهر الأديب ابن الكيزاني بورعه وصلاحه وزهده
أبو الحسن الشاذلي اشتهر بورعه وزهده فضلاً عن علمه

جهاده:-

كان أبو الحسن الشاذلي يدعو مريديه لحمل السلاح ضد أعداء الإسلام الصليبيين، وكان يرحل معهم إلى ميادين الحرب كما حدث في موقعة المنصورة المشهورة في عهد السلطان نجم الدين أيوب وابنه توران شاه، حين اقتحم لويس التاسع ملك فرنسا دمياط وتقدم إليها بجيشه سنة 647هـ، وكان الإمام الشاذلي مع مريديه هناك، ونجد معه شيوخ الدين والعلماء الكبار؛ كالعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد ومحيى الدين بن سراقة وغيرهم من جلَّة الشيوخ، وألقى يومها الإمام أبو الحسن الشاذلي خطبة حماسية حث فيها على الجهاد، وكان أتباعه ومريده في مقدمة الصفوف التي دُمِّرت في موقعة المنصورة، وأنزل الجيش المصري بالصليبيين هزيمة ساحقة، استسلم على إثرها لويس التاسع ذليلاً كسيراً، وارتحلوا عن دمياط خاسئين مدحورين إلى البحر المتوسط وما وراءه.

مأثوراته:-

من كلامه: “كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل النفس، وتلتذ به؛ فارم به وخذ بالكتاب والسنة”.

وقال: “لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة”.

نوادره:-

قال الشيخ تاج الدين السبكي: أخبرني والدي قال: دخلت على الشيخ أبي الحسن الشاذلي، فسمعته يقول: والله لقد يسألونني عن المسألة لا يكون لها عندي جواب، فأرى الجواب مسطراً في الدواة والحصير والحائط.

آثاره ومصنفاته:-

  1. الحزب الشاذلي.
  2. رسالة: وهي في آداب التصوف رتبها على الأبواب.
  3. نزهة القلوب وبغية المطلوب.
  4. السر الجليل في خواص حسبنا الله ونعم الوكيل.

ما قيل فيه:-

قال الذهبي: “الشيخ الزاهد”، وقال أيضاً: “له عبارات في التصوف مشكلة، توهم، ويُتَكَلَّفُ له في الاعتذار عنها”.

وقال تقي الدين بن دقيق العيد: “ما رأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه بجماعته من المغرب، وكتبوا إلى نائب إسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي زنديق، وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه، فدخل إسكندرية فآذوه، فظهرت له كرامات أوجبت اعتقاده”.

وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: “منشؤه بالغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة، وله السياحات الكثيرة، والمنازلات الجليلة، والعلوم الكثيرة، لم يدخل في طريق الله حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، وعلوم جمة، جاء في هذا الطريق بالعجب العجاب، وشرح من علم الحقيقة الأطناب، ووسع للسالكين الركاب”.

وقال الصفدي: “هو رجل كبير القدر، كثير الكلام، عالي المقام، له شعر ونثر فيه متشابهات وعبارات يُتَكَلَّف له في الاعتذار عنها”.

وقد مدحه البوصيري في قصيدة «كتب المشيب بأبيض في أسود»، ومما قاله فيه:

إنَّ الإِمــــامَ الشَّــــاذِلـــيَّ طَرِيقُــهُ … فِـي الفَضْلِ واضحَةٌ لِعَيْنِ المُهْتَدِي

قُطْبُ الزَّمـــانِ وغَوْثُهُ وإمــامُـــهُ … عَيْـنُ الوجُودِ لسانُ سِرِّ المُوجِدِ

سادَ الرِّجــالَ فَقَصَّرَتْ عَنْ شَـــأْوِهِ … هِمَـمُ المُؤَوِّبِ لِلْعُلا وَالمُسْئِدِ

فَتَلَـــقَّ ما يُلْقِـــي إليـــــكَ فَنُطْقُـــهُ … نُطْـــقٌ بِرُوحِ القُدْسِ أَيُّ مُؤَيِّدِ

أبو الحسن الشاذلي ترك أثرً كبيراً وتلاميذ كثر

أبو الحسن الشاذلي – وفاته:-

توفي أبو الحسن الشاذلي بصحراء عيذاب في طريقه إلى الحج، في شهر ذي القعدة، سنة 656هـ.

ابن بطوطة يروي كيفية وفاة الشاذلي:-

تناول الرحَّالة المسلم الشهير ابن بطوطة (1304-1377 م) إحدى الكرامات التي أُخبر عنها وحصلت مع أبي الحسن الشاذلي قبيل وفاته.

وقال ابن بطوطة -والذي ينتسب لمدينة طنجة- : ” أخبرني الشيخ ياقوت عن شيخه أبي العباس المرسي أن أبا الحسن كان يحج في كل سنة، ويجعل طريقه على صعيد مصر، ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده إلى انقضاء الحج، ويزور القبر الشريف، ويعود على الدرب الكبير إلى بلده”.

ويضيف ابن بطوطة ” فلما كان في بعض السنين؛ وهي آخر سنة خرج فيها، قال لخديمه: استصحب فأساً وقفة وحانوطاً، وما يجهز به الميت. فقال له الخديم: ولمَ ذلك يا سيدي؟ فقال له: في حميثرا سوف ترى. وحميثرا في صعيد مصر في صحراء عيذاب، وبها عين ماء زعاق. وهي كثيرة الضباع”.

ابن بطوطة زار مختلف البلاد الإسلامية في رحلة امتدت لأكثر من 30 عاماً

ويزيد ابن بطوطة “فلما بلغا حميثرا؛ اغتسل الشيخ أبو الحسن الشاذلي ، وصلى ركعتين، وقبضه الله عز وجل في آخر سجدة من صلاته، ودُفِن هناك”.

ويقول ابن بطوطة: إنه زار قبر الشاذلي وشاهد علية تبرية مكتوب فيها اسمه ونسبه متصلاً بالحسن بن علي رضي الله عنهما.

المصادر:

  • الأعلام (4/305).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (7/65)، و(7/469).
  • حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (1/520/رقم 41).
  • سير أعلام النبلاء (23/323).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/481).
  • رحلة ابن ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
  • العبر في خبر من غبر (3/282).
  • نكث الهميان في نكت العميان (197).
  • الوافي بالوفيات (21/141).

https://www.freepik.com/free-vector/abstract-islamic-background-with-silhouette_1165350.htm#page=4&query=muslim+praying&position=26

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى