أعلام

أبو البقاء الرندي .. الشاعر والقاضي الأندلسي

له علم بالحساب والفرائض، كان أبوه من أهل العلم، فقام بتنشئته على ذلك

أبو البقاء الرندي – اسمه ونشأته:-

صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف، أبو الطيب و أبو البقاء النَّفْزِي الرندي ، شاعر وقاضٍ أندلسي، وُلِد في رُنْدَة غرب مالقة سنة 601هـ، أصله من قبيلة نَفْزة البربرية.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

يعتبر أبو البقاء الرندي من الشعراء والقضاة، وله علم بالحساب والفرائض، كان أبوه من أهل العلم، فقام بتنشئته على العلم، وتتلمذ على يد علي بن جابر الدَّبَّاج الإشبيلي الذي كان يتصدر للإقراء بإشبيلية خمسين سنة، وتتلمذ أيضاً على يد ابن الفخَّار الشَّرِيْشِيّ، وابن زرقون الغرناطي.

المسلمون حكموا الأندلس لمدة ثمانية قرون

وقد أقام بمالقة شهراً، وأكثر التردد إلى غرناطة يسترفد ملوكها، واجتمع فيها بلسان الدين ابن الخطيب.

أبو البقاء الرندي – شعره:-

له شعر حسن؛ منه قصيدته التي نظمها بعد سقوط آخر أراضي المسلمين في الأندلس، وهذه القصيدة هي سبب شهرته شرقاً وغرباً، وكأنما ندب أبو البقاء نفسه عن أهل الأندلس يستصرخ المسلمين؛ لنصرة إخوانهم في الدين وإنقاذهم من يد الكافرين الآثمين، ومما قاله فيها:

لِكُـــــلِّ شَـــيءٍ إِذا مـــا تَــمّ نُقـــصانُ.. فَــلا يُغَـــرَّ بِطـيبِ العَـيشِ إِنسـانُ

هِــــيَ الأُمُـــورُ كَــما شـاهَـــدتُها دُوَلٌ.. مَــن سَــرّهُ زَمَــن ســاءَتــهُ أَزمــانُ

وَهَــــذِهِ الــدارُ لا تُبقـــي عَلــى أَحَـــدٍ.. وَلا يَــدُومُ عَلـى حـــالٍ لَهــا شـــانُ

يُمَــزِّقُ الـدَهـــرُ حَتــماً كُــلَّ سابِغَـــةٍ.. إِذا نَبَـت مَشــرَفِيّــــات وَخـرصـــانُ

أَيـنَ المُلـوكُ ذَوي التيــجانِ مِـن يَمَنٍ.. وَأَيــنَ مِنهُــــم أَكــالِيـــلٌ وَتيجَـــانُ

وَأَيــنَ مـــا شـــــادَهُ شَــــدّادُ فــي إِرَمٍ.. وَأينَ ما ساسَه في الفُـرسِ ساسانُ؟

وَأَيــنَ مــا حـــازَهُ قـــارونُ مــن ذَهَـبٍ.. وَأَيـــنَ عــــادٌ وَشــــدّادٌ وَقَحـــطانُ؟

أَتــى عَلــى الكُــــلِّ أَمـــرٌ لا مَـــرَدّ لَــهُ.. حَتّـى قَضـوا فَكَـأنّ القَـوم مـا كانُوا

وَصــارَ مـا كــانَ مِـن مُلكٍ وَمِـن مَلكٍ.. كَما حَكى عَن خَيالِ الطَيفِ وَسنانُ

فـاِسـأل بَـلَنسِــيةً مــا شَـأنُ مـرسِــيَةٍ.. وَأَيـــنَ شـاطِـــــبة أَم أَيـــنَ جـــيّانُ

وَأَيــن قُـرطُـــبة دارُ العُـلُــومِ فَـكَـــم.. مِـن عالِـمٍ قَـد سَـما فِـيها لَـهُ شـانُ

وَأَيـنَ حمص وَمــا تَحــويِـهِ مِـن نُــزَهٍ.. وَنَهــرُهـا العَــذبُ فَـــيّاضٌ وَمَـــلآنُ

قَــوَاعــــد كُـــنَّ أَركــانَ البِـــلادِ فَــما.. عَســى البَــقاءُ إِذا لَـم تَبــقَ أَركــانُ

تَبكِـي الحَنيفِـيَّةُ البَيـضَاءُ مِـن أَسَـفٍ.. كَـــما بَكــى لِفِـــراقِ الإِلـفِ هَيــمَانُ

عَلـى دِيـــارٍ مـــنَ الإِســلامِ خـالِيَــــةٍ.. قَــد أَقفَـــرَت وَلَهـا بالكُفــرِ عُمــرانُ

حَيثُ المَساجِدُ قَد صارَت كَنائِس ما.. فيهِـــنَّ إِلّا نَــواقِـــــيسٌ وصـلبــــانُ

حَتّـى المَحـاريبُ تَبكـي وَهيَ جامِـدَةٌ.. حَتّـى المَنابِــرُ تَبكــي وَهــيَ عـيدَانُ

يـا غـافِـــلاً وَلَـهُ فـي الدهــرِ مَوعِـظَةٌ.. إِن كُـنتَ في ســنَةٍ فالدهـرُ يَقــظانُ

وَمـاشِـــياً مَـرِحـــاً يُلهِــــيهِ مَوطِـــنُهُ.. أَبَعــدَ حِمص تَغُـــرُّ المَــرءَ أَوطــانُ

لِمـثلِ هَــذا يَبكِـي القَلـبُ مِـن كَــمَدٍ.. إِن كــانَ فـي القَلـبِ إِسـلامٌ وَإِيمـانُ

قال عنها شوقي ضيف: “القصيدة درة يتيمة رائعة، ولروعتها أخذت الأجيال التالية تزيد عليها أبياتاً تندب بها البلاد التي سقطت في أيدي النصارى الشماليين بعد وفاة أبي البقاء الرُّنْدي”.

وكان أبو البقاء الرندي من خاصة المقربين إلى السلطان محمد بن الأحمر، وكان يطرب لشعره، ومن أشهر قصائده في مدح السلطان قصيدته التي جاء فيها:

سَـــــرى والحُـــبُ أمْــــرٌ لا يُـــــرام.. وَقــد أغرى به الشوق الغرام

وأغـــفـــــــى أهــلـهـــــا إلا وشــــــاة .. ذا نـــام العـــواذل لا تنـــام

ومـا أخـــــفاه بيـن القـــــوم إلا.. ضنـــاه وربمـا نفــع الســقام

ومــا شبهت وجـــه الشمــس إلا.. بـوجــــهِكَ أيها المـلك الهمام

وإن شبـهـــتــهُ بـالــبدرِ يـــومــــاً.. فللــــبدرِ الملاحـــة والتـــمام

ابن حوقل يصف مآثر الأندلس

أودَعَ أبو البقاء الرندي في “الكافي في علم القوافي” – وهو تأليفٌ في العروض وآخر في صًنْعَة الشِّعر- جُملةً وافرةً من نظمه، ومنه في باب التشبيه (الخفيف)، قوله:

عَلِّلانـــي بِذِكْــــرِ تِلْـكَ اللَّيـالي.. وَعُهُـــودٍ عهِـدتُهـا كاللَّآلــي

لسْـتُ أنسَـى للحُـــبِّ ليلـةَ أُنْــسٍ.. صَــــالَ فيهـا على النَّوى بالوِصــالِ

غَفَــلَ الــدًّهْـرُ والرَّقيـبُ وبِتْنَــا.. فعـجِبْنَـا مـنَ اتِّفَـاقِ المُحَــالِ

ضَمَّنــــا ضَمَّــةَ الوِشَـاحِ عِنَـــاقٌ.. بيميـــنٍ معقُودَةٍ بِشِـمَـالِ

فَبَــــرَدْتُ الحَـشَـــــا بـلَثْــمِ بَــــــرودٍ.. لَــمْ يَزَلْ بي حتَّى خَبَـا لي خَبَـالي

وكؤوسُ المُـدَامِ تَجْـلو عَرُوسَــاً.. أضْحَـكَ المَـزْجُ ثَغْـرَهَـا عن لآلِ

ولنَحْـرِ الدُّجَـــى ذوابِـلٌ شَـمْـــعٍ.. عَكَسَـــتْ في الزُّجَـاجِ نُورَ الذُّبَـالِ

والثُّـــريَّا تَـمُدُّ كَـفَّاً خَصِــيبَـاً.. أَعجَمَــــتْ بالسِّـمَاكِ نـونَ الهِــلَالِ

وكَــــأنَّ الصَّبــاحَ إذْ لاحَ سَــــيْفٌ.. يُنتَــضَــى مِـنْ غيـنٍ وميـمٍ ودالِ

ومَسَـحْنَـا الكَـرَى إلى غانِيَــاتٍ.. غــانيــاتٍ بكُــلِّ سِحْـرٍ حـلالِ

في ريــاضٍ تَبَـسَّـمَ الــزَّهْـرُ فيـهَــــا.. لِـغَمــــامٍ بَكَـتْ دمـوعَ دلَالِ

وجَـرَى عَـاطِــــرُ النَّسِـيمِ عليــــلاً.. يتهَــــادَى بين الصَّبــا والشَّمـالِ

فاكتَسَـــى النَّهْـــرُ لَاْمــــةً منهُ لمَّــــا.. أنْ رَمَـى القَـطْرُ نحوَهُ بِنِبَــالِ

يـا لَيـالـــي مِني سَـــلامٌ عليهــا.. أَتُـرَاهَـــا تعـودُ تِلْـكَ اللَّيـالي؟

ومن قوله في ذمِّ إخوة السوء (الكامِل):

ليسَ الأخـوَّةُ بِاللِّـســانِ أخـــوَّة.. فَـــــإذا تـراد أخوَّتي لا تنفَـعُ

لا أَنتَ فــي الدُّنيـا تُفَــــرِّجُ كَـرْبَــــــهُ.. عنِّـــي ولا يـومَ القيامـةِ تشفَـعُ

وقال في وصف الرُّمان (البسيط):

للـهِ رُمَّـــــانةً قد راقَ مَـــنظَرُهَــا.. فَـمِـثلُهــــا ببديعِ الحُـسْنِ منعوتُ

القشر حقَّ لهـا قد ضَمَّ داخـلهُ.. والشَّـحمُ قطن لهـا والحبُّ ياقوتُ

ما قيل فيه:-

  • قال ابن عبد الملك المَرَّاكُشِيُّ: “كان خاتمة الأدباء بالأندلس، بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيهاً حافظاً فرضياً، متفنناً في معارف جليلة، نبيل المنازع، متواضعاً، مقتصداً في أحواله، وله مقامات بديعة في أغراض شتى، وكلامه نظماً ونثراً مدون”.
  • وقال ابن الخطيب: ” أبو البقاء الرندي .. له تآليف أدبية وقصائد زهدية، ومقامات في أغراض شتى وكلامه نظما ًونثراً مدوَّن”.
  • قال عنه ابن الزُّبير: “شاعرٌ مجيدٌ في المدح والغَزَل، وغير ذلك، وعنده مشاركة في الحساب والفرائض، وله تواليف أدبية وقصائد زهرية..”.

كتبه ومصنفاته:-

  • الوافي في علم القوافي : كتاب في صنعة الشعر، أربعة أجزاء: أولها: في فضل الشعر وطبقات الشعراء وعمل الشعر وآدابه وأغراضه، وثانيها: في محاسن الشعر وفنونه البديعية، وثالثها: في الإخلال والسرقة والضرورة، ورابعها: في حد الشعر وعروضه وقوافيه وأخباره.
  • روضة الأنس ونزهة النفس: كتاب محاضرات وطرف أدبية.
  • مختصر في علم الفرائض: وهذا الكتاب يدل على أنه كان بجانب ثقافته الأدبية فقيهاً فرضياً حافظاً.

وفاته:-

توفي أبو البقاء الرندي سنة 684هـ.

المسلمون تركوا إرثاً حضارياً كبيراً في الأندلس

اقرأ أيضاً: قصر الحمراء أشهر قصور الأندلس

المصادر:

  • الأعلام (3/198).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (8/388).
  • دولة الإسلام في الأندلس (5/456).
  • الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (2/128/رقم 263).
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (4/486).
  • الوافي بالوفيات (16/160).
  • رثاء الأندلس لأبي البقاء الأندلسي، جمْع عيسى الشامي.
Image by Vero Garcia from Pixabay 
Image by Manuel Mariscal from Pixabay 
Image by Vero Garcia from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى