اختراعاتانفوجرافيكسعلماء وفلاسفة

أبو إسحاق الزرقالي .. أوحد زمانه في علم العدد والرصد

قال القِفْطِيُّ: "أبصر أهل زمانه بأرصاد الكواكب وهيئة الأفلاك واستنباط الآلات النجومية"

اسمه ونشأته:-

إبراهيم بن يحيى التُّجِيْبِيُّ النقَّاش، أبو إسحاق المعروف بابن الزُّرْقالَة، فلكي أندلسي، من أهل طليطلة، وُلِدَ الزرقالي فيها سنة 420هـ.

اشتهر بسعة اطلاعه وذكائه وثقافته العلمية العميقة وإقباله على الدراسة والعلم وشغفه بالفلك. 

وعاش حياة حافلة بالعلم ووهب فكره للاطلاع والدراسة وقد عشق الفلك وترك مصنفات كثيرة ما زالت هي منبع لحقائق علمية في حياة العرب.

الزرقالي .. من نقاشٍ الى مخترع:-

يذكر المستشرق بارون كارا دي فو في أحد مؤلفاته حول العلماء العرب، أن الزرقالي كان حِرفيًا ميكانيكيًا ومعدنيًا محترفاً في صانعة الأدوات والمعدات، بدأ العمل تحت اشراف القاضي ابن سعيد في طليطلة، فكان يصنع الأدوات الدقيقة اللازمة لمواصلة الملاحظات الفلكية التي بدأت في عام 1060م على يد يحيى بن أبي منصور.

فكانت تلك بداية مسيرة الزرقالي في صناعة المعدات الفلكية.

مدينة طليطلة – توليدو في العام 1860 م – مكتبة الكونغرس

 قام الزرقالي في بداية المطاف بصناعة الأدوات لعلماء آخرين، وبعد اكتشافهم لموهبته، أبدوا اهتماماً كبيرا به، فتكفلوا بدراسته ووضعوا تحت تصرفه كل ما قد يحتاجه من مصادر وكتب علمية.

 وبعد عامين من العمل والتعلم والبحث المتواصل؛ أصبح  الزرقالي سنة 1062 م عضوًا من أعضاء مجموعة الفلكيين في طليطلة، ولم يعد الزرقالي يصنع الآلات للآخرين فقط ، بل شرع في اختراع أدواته الخاصة، وأصبح من كبار فلكيي عصره، يقصده العلماء والطلاب للاغتراف من علمه ومعرفته.

مكانته العلمية:-

تلقى الزرقالي تعليمه في العلوم التجريبية في مدينة طليطلة، فنبغ في كل من الفلك والجغرافيا والرياضيات، وكان إلى جوار دراسته يعمل نقاشاً يشتغل في تشكيل المعادن وصياغتها. فكان لهذا العمل بالغ الأثر في حبه المتواصل للمجال الفني، ولذا كان له السبق في علم الفلك التطبيقي الذي جمع بين القيمة العلمية والذوق الفني.

الزرقالي من أعظم راصدي الفلك في عصره، وواحد زمانه في علم العدد، والرصد، وعلم الأبراج، كان أوحد عصره في علم العدد والرصد وعمل الأزياج.

يعتبر أبصر أهل زمانه بأرصاد الكواكب، وهيئة الأفلاك وحساب حركاتها، وأعلمهم بعلم الأزياج، واستنباط الآلات النجومية.

قام بأكثر أرصاده في طليطلة، أيام المأمون بن ذي النون، ثم انتقل منها إلى قرطبة وبقي فيها حتى وفاته، وله بقرطبة رصد، وآخر أرصاده فيها كان سنة 480هـ.

كتاب العمل بالصفيحة الزيجية الموضوعة لتقويم الكواكب وتعليل التعديل على ما توجبه الهيئة الفلكية، وبسط ذلك وكشف غامضه، مما استنبطه أبو إسحق إبرهيم بن الزرقيله الطليطلي لخزانة المعتمد على الله محمد بن عباد، الكتاب مقسم إلي أحد عشر فصلاً.. هذه المخطوطة موجودة في قسم المخطوطات الشرقية في المكتبة البريطانية.

إسهامات الزرقالي العلمية:-

  1. عرف علامتنا باختراعه آلات فلكية جديدة -كابتكاره المعروف بـ”الاسطرلاب الزرقالي”- وصفها في كتاب له يعرف باسم “الصحفية الزرقالية” فشرح فيه كيفية استعمال الإسطرلاب على منهاج جديد والتحسينات التي أضافها إلى الإسطرلابات. وقد أهدى هذا الكتاب إلى المعتمد على الله محمد بن عباد، وفي القرن الخامس عشر، نشر راجيومونتانوس مخطوطاً يبين فيه مجمل فوائدها.
  2. وهو من الأوائل الذين أثبتوا حركة أوج الشمس بالنسبة للنجوم، ووجد أنها تصل إلى 04.12 دقيقة في السنة (والقيمة الحقيقية هي 8.11 دقيقة).
  3. كما وضع الزرقالي جداول عن الكواكب، وهي المعروفة بالزيج الطليطلي، بناء على أرصاده التي قام بها في مدينة طليطلة من 1061إلى 1080م.
  4. صحَّح الزرقالي المعلومات الجغرافية لبطليموس والخوارزمي، فقد وجد أن طول البحر الأبيض المتوسط هو 42 درجة، وليس 62 درجة كما قال بطليموس.
  5. استطاع أن يحول الأسطرلاب من أسطرلاب خاص إلى أسطرلاب عام باستبداله من المسقط القطبى الأستريوغرافى المسقط الأفقى الأستريوغرافى، وبمقتضى هذا التحويل يكون موضع عين الراصد فى نقطتين من نقط الأفق إحداهما شرقية والأخرى غربية؛ أي في نقطتي الاعتدالين، ويكون مستوى المسقط هو بعينه مستوى الدائرة الكبرى المارة بنقطتي الانقلابين، ويكون مسقطا نصفي الكرة السماوية متطابقين تمام التطابق بحيث تكفى الدلالة عليهما بعلامة واحدة.
اهتم المسلمون كثيرا بعلم الفلك – متحف الميتروبوليتان
  • يعتبر أبو إسحاق إبراهيم النقاش أول من قاس طول البحر الأبيض المتوسط قياسة علمية موضوعية دقيقة، فصحح بذلك الطول التقريبي الذي قدّمه بطليموس قبله،  والبالغ 62 درجة، بينما أعطى الزرقالي 42 درجة وهو رقمٌ قريبٌ جدًا من قيم القياسات التي أجريت في العصر الحديث.

مكانته عند علماء الغرب:-

يعرف عند علماء الغرب باسم Arzachel.

وتقول هونكة أثناء حديثها عن تأثير علماء الفلك العرب على الغرب، بأن أعمال الزرقالي حظيت عند الغربيين بأهمية كبيرة، ففي القرن الثاني عشر ترجم جيرار الكريموني أعمال الزُّرْقَالي إلى اللاتينية، وفي القرن الخامس عشر ألَّف راجيومونتانيوس كتاباً عن فوائد الصفيحة الزُّرْقَالية، وفي عام 1530م كتب العالم البافاري يعقوب تسيجلرJacob Ziegler تعليقاً على كتاب الزُّرْقَالي، وفي عام 1530م ذكر كوبرنيك اسمي الزُّرْقَالي والبتَّاني في كتابه «دوران الأجرام السماوية»، واقتبس من آرائهما.

وكان لمؤلفات الزرقالي تأثير كبير على الفلكيين الإسبان الذين وضعوا الزيج المعروف باسم «ألفونسية»؛ نسبة إلى ألفونس ملك قشتالة، الذي أمر بعد 200 سنة على وفاة الزُّرْقَالي، بترجمة كل آثاره إلى اللغة المحلية في قَشْتَالَةَ.

أقوال العلماء فيه:-

قال ابن الأبَّار: “كان واحد عصره في علم العدد والرصد وعلل الأزياج، ولم تأت الأندلس بمثله من حين فتحها المسلمون إلى وقتنا هذا”.

وقال القِفْطِيُّ: “أبصر أهل زمانه بأرصاد الكواكب وهيئة الأفلاك واستنباط الآلات النجومية”.

أمَّا الزيج المعروف بـ”الألفونسية” نسبة للملك القشتالي الفونس، فقد اشتهِرَت وذاع صيتها في أوروبا وأصبحت تعتبرُ مرجعاً فلكياً هاماً، حتى وضعت بين الزِّيج المُعتمَد عليها، إلَّا أنَّهُ لا بُدَّ من الإشارة هُنَا إلى فضل عالمٍ عربيٍ عليها، كان له ولمؤلفاتهِ أكبر الأثر في نفوسِ صانعيها، ألا وهو الفلكي العربي الكبير الزَّرقالي، الذي عاشَ قبل ذلك الوقت بمئتي سنة، في مدينة طليطلة من أعمال إسبانيا، وقد أمَرَ طبيبهُ دون أبراهام بترجمةِ كل آثار الزَّرقالي إلى اللُّغة المحلية في قشتالة، وترجمة زيجهُ الذي اعتَمَدَ عليه فيما بعد كُل فلكيي أوروبا.

—زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

كتب الزرقالي:-

صنف أبو إسحاق الزرقالي رسالة في غاية الأهمية، تحتوي على المعلومات الضرورية لصنع واستعمال “الاسطرلاب الزرقالي”، وقد قدمت هذه الرسالة خدمة جليلة لعلماء العرب والمسلمين في ميدان الرصد، كما ترجمت هذه الصحيفة إلى عدة لغات فاعتمد عليها علماء أوروبا في عصر نهضتهم في جميع أرصادهم الفلكية طوال قرنين من الزمان.

كما كان لمؤلفات الزرقالي تأثيراً كبيراً على الفلكيين الإسبان الذين وضعوا الزيج المعروف باسم “ألفونسية”، نسبة إلى ألفونس ملك قشتالة، الذي أمر بعد 200 سنة على وفاة الزرقالي ، بترجمة كل آثاره إلى اللغة المحلية في قشتالة.

وهناك مجموعة مخطوطات للزرقالي لم تطبع أو تنشر حتى اليوم ولكنها تحقق وتدرس من قبل الباحثين والمهتمين بالتراث العلمي والفكر الإسلامي حول العالم.

دراسة عن استخدام الجهاز الفلكي المعروف باسم الصفيحة الزيجية، للزرقالي والذي يُطلق عليه أيضاً “ابن الزرقيله”، كما يُعرف أيضاً باسم “ولد الزرقيال”، و”ابن الزرقاله”، و “الزرقاني”. كُتب للمعتمد على الله محمد بن عباد، ملك أشبيلية (من ١٠٦٩- ١٠٩١م) – مكتبة قطر الوطنية.

ذكر العلامة خير الدين الزركلي من كتب الزرقالي المصنفات التالية:

  • “العمل بالصفيحة الزيجية” ومازال مخطوطا.
  • “التدبير” ؛ ومازال مخطوطا.
  • “المدخل في علم النجوم” ؛ ومازال مخطوطا.
  • “رسالة في طريقة استخدام الصفيحة المشتركة لجميع العروض”، ومازال مخطوطاً.

وفاة الزرقالي:-

توفي أبو إسحاق الزرقالي في إشبيلية سنة 480 هجرية (1087م ).

اقرأ أيضاً: قصر الحمراء أشهر قصور الأندلس

المصادر:

  • الأعلام (1/79).
  • بُناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية (رقم 24).
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (3/729).
  • الوافي بالوفيات (6/107/رقم 3).
  • شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه.
  • شكيب أرسلان: الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية، ج2
  • علي عبد الفتاح: أعلام المبدعين من علماء العرب والمسلمين.
  • خير الدين الزركلي: الأعلام.
  • – J. Vernet, “Al-Zarqali”, in Dictionary of Scientific Biography, New York: Charles Scribners’ Sons.,
  • – Carra de Vaux, Les Penseurs de l’Islam, Paris: Geuthner, 1921.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى