أخبار العرب

أبناء نزار بن معد .. مِن أهَمِّ أصول قبائل العرب

نقف مع أسطورة تدل على توقُّد الذهن والذكاء الحاد والفطنة الشديدة

تمهيد:-

يعتبر أبناء نزار بن معد من أهم الأصول التي تفرع عنها أهم قبائل العرب، وقد اشتهر ربيعة بربيعة الفرس، ومضر بمضر الحمراء، فما سِرُّ تلك الشهرة، وما هي قصتهم مع وصية أبيهم، والأفعى الجرهمي؟

وصية نزار بن معد :-

كان لنزار بن معد – فيما يذكر رواة الأخبار- أربعة أبناء إياد، وبه يُكنى، وأنمار، وربيعة ومضر.

فلما حضرته الوفاة دعا أبناءه، وكانت عنده جارية شمطاء -من اختلط سواد شعرها ببياض- فقال لإياد :”هذه الجارية وما أشبهها من مالي فلك”، ثم أخذ بيد مُضر فأدخله قُبة حمراء، ثم قال له: “هذه القبة وما أشبهها من مالي فلك. “

ثم أخذ بيد ربيعة، وقال له :”هذا الخيل الأدهم والخباء الأسود وما أشبههما من مالي فلك”.

ثمَّ أخذ بيد أنمار وقال له :”هذه البدرة وما أشبهها من مالي فلك”

ثم أوصاهم إذا أشكلت تلك القسمة عليهم أن يذهبوا إلى الأفعى الجرهمي ملك نجران ليقسم بينهم؛ ويرضوا بحكمه.

قصة أبناء نزار بن معد مع الأفعى الجرهمي :-

بعد وفاة نزار بن معد جمع أولاده رواحلهم، وجهزوا أنفسهم، حتى يسافروا إلى الأفعى الجرهمي، ليقسم بينهم، ويفسر لهم تلك الوصية الغريبة.

وبينما هم على بُعد يوم وليلة من نجران، وهم في مفازة -صحراء-، إذ رأوا أثر بعير، فقال إياد :”إن هذا البعير الذي ترون أثره أعور” ثم قال أنمار :”إنه لأبتر”، وقال ربيعة :”إنه لأزور” ، وقال مضر :”إنه لشرود” .

ثم جاء رجل يبحث عن بعيره، فسأله إياد أكان بعيره أعورًا، قال :”نعم” ، ثم سأله أنمار :”أكان أبترًا” قال :”نعم”، ثم سأله ربيعة :”أكان أزورًا” قال :”نعم”، ثم سأله مضر :” أكان شرودًا” قال نعم.

فلما طلب منهم أن يخبروه بمكان البعير، قالوا إنهم لم يروا بعيره، ولم يحسوه.

ولكنه لم يصدقهم لأنهم وصفوا بعيره بشكل دقيق، فكيف يزعمون أنهم لم يروه!

فظل يتبعهم حتى وصلوا عند الأفعى الجرهمي، وأخبره أن هؤلاء أخذوا بعيره، لأنهم وصفوه بشكل دقيق، ثم زعموا أنه لم يروه.

فسألهم الأفعى عن ذلك، فقالوا له إنهم رأوا أثر البعير وليس البعير نفسه.

وقد عرف إياد من أثره أنه أعور، فسأله كيف ذلك؟

فقال إنه رأى أنه يجتهد في رعي الكلأ من جنب واحد، بينما الجنب الآخر وفير، ولكنه لم يلمسه، لذلك علم أنه أعور-يرى بعين واحدة-..

وقال أنمار: إنه رآه يرمي ببعره مجتمعًا، ولو كان أهلب -لديه شعر في ذيله- لمصع به -أي لحرك بعره بذيله- فعلم أنه أبتر -يعني مقطوع الذيل-.

وقال ربيعة :”رأيت أثر إحدى يديه ثابتًا والآخر فاسدًا، فعلمت أنه أزور”.

وقال مضر :”رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يعتدها، فيمر بالكلأ الملتف الغض، فلا ينهش منه، حتى يرعى ما هو أرق منه، فعلمت أنه شرود” .

فلما سمع الأفعى الجرهمي كلامهم، قال لرجل إنهم ليسوا من أخذوا بعيره، وليبحث عنه في مكان آخر.

العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم
جدل حول أصول القبائل العربية.

تعريف أبناء نزار بن معد بأنفسهم:-

بعدما ذهب الرجل سألهم الأفعى عن أنفسهم، وسبب زيارتهم، فقالوا له إنهم أبناء نزار بن معد ، وقد أتوا إليه ليُفسر لهم وصية والدهم، فتعجب من ذلك، لأنه رأى أنهم أصحاب فطنة ورجاحة عقل، فأخبروه أنهم يتبعون وصية أبيهم، فأمر بإكرامهم، وضيافتهم، ثم طلب من وصيف له، أن يلاحظهم بشكل دقيق، وأن يخبره بكل كلامهم.

إخبار الأفعى الجرهمي بأمور لا يعرفها :-

بعدما جلس أبناء نزار بن معد في ضيافته، قدم لهم شهدًا، وكان من أجود أنواع الشهد، فمدحه الإخوة إلا أن إياد قال لهم :”صدقتم لولا أن نحله ألقاه في هامة جبار”.

ثم قُدمت لهم شاة مشوية لذيذة الطعم، فمدحها الإخوة، إلا أن أنمار قال:” صدقتم لولا أنه غُذي بلبن كلبة”.

فلما قدم لهم الخمر، أشادوا بطعمه، فقال لهم ربيعة:” صدقتم لولا أن كرمه -العنب- نبت على قبر”.

ثم أثنى الإخوة على المنزل، وكرم أهله، ومُلك صاحبه، فقال مضر :”صدقتم لولا أنه لغير أبيه”.

كل ذلك والغلام يعي ما يقولون، ليبلّغ به الأفعى الجرهمي.

فلما أخبر الغلام الأفعى الجرهمي بما قالوا تعجب عجبًا شديدًا، وبدأ يتحقق من كلامهم.

فذهب إلى والدته وسألها عن أبيه الحقيقي، فلما ألح عليها أخبرته أنها تزوجت من ملك كبير، ولم تنجب منه، فخافت أن يخرج الملك من يدها، فمكنت رجلًا من نفسها، ثم حملت به وولدته.

ثم سأل عن العسل الذي قُدم له، فأُخبر أن النحل قد أعسل في جمجمة كبيرة، وأنهم قدموه للضيوف لما رأوا من جودته.

ثم سأل عن الشاة التي قدمت لهم، فأخبره الراعي أنها من أجود الشياه عنده، ومن أولها، وأن أمها ماتت، فتغذت على لبن كلبة، لأنه لم يكن لديه شاة أخرى ولدت لتغذيها.

ثم سأل عن الخمر، فأُخبر أنه من أجود وأفخر الأنواع، وأن شجرته نبتت على قبر أبيه.

وبعد ما تأكد الأفعى الجرهمي من كلام أبناء نزار بن معد، سألهم كيف عرفوا تلك الأمور؟

فأخبره أنمار أنه شم رائحة كلب في اللحم؛ لذا علم أنه غُذي بلبن كلبة.

وأخبره ربيعة أنه أحس بعطش شديد بعدما شرب الخمر، فعلم أنه نبت على قبر.

وأخبره مضر أنه رآه يتكلف فيما يعمل، فعلم أنه يُدعى لغير أبيه.

تفسير وصية نزار بن معد :-

ثم طلب الأفعى الجرهمي من أبناء نزار بن معد، أن يخبروه بوصية أبيهم، حتى يفسرها لهم، فقال إياد :”إن أبي جعل لي خادمة شمطاء، وما أشبهها من ماله”.

فقال له الأفعى :”إن أباك ترك لك غنمًا برشاء، فهي لك مع الخادم”

فقال أنمار :”إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله”. فقال له الأفعى:” لك ما ترك أبوك من الرقة  والحرث والأرض”.

فقال مضر :”إن أبي جعل لي القبة الحمراء وما أشبهها من ماله” فقال له :” إن أباك قد جعل لك الإبل الحمراء والقبة الحمراء” فصار لمضر الإبل الحمراء والقبة الحمراء والذهب فسمي مضر الحمراء.

وقال ربيعة :”إن أبي قد جعل لي فرسًا أسود وبيتًا أسود وما أشبهها من ماله”، فأخبره الأفعى أن له الفرس والسلاح، فسمي ربيعة الفرس.

أسطورة أبناء نزار بن معد في ميزان النقد : –

إن أول شيء يقابلنا في قصة أبناء نزار بن معد هو كثرة الروايات فيها، واختلافها في بعض التفاصيل والصياغة، ويبدو أن سبب ذلك هو أن القصة حظيت بشعبية كبيرة، فزاد فيها الرواة وتناقلوها، وقد بلغت هذه الأسطورة درجة عالية من الكمال عند المسعودي في “مروج الذهب” ، حتى إنها صارت من المختارات الأدبية لما فيها من ألغاز.

المسعودي أسهب في الحديث عن أبناء نزار بن معد .

ويمكننا اعتبار هذه الأسطورة قبلية اجتماعية، لأنها تؤسس لنشأة هذه القبائل، كما يمكن القول إنها أسطورة تعليلية، لأنها تعلل تسمية ربيعة الفرس، ومضر الحمراء.

وإذا أمعنا النظر في هذه الأسطورة سنجد أننا نقف مع أسطورة تدل على توقُّد الذهن والذكاء الحاد والفطنة الشديدة، فها هو نزار بن معد، لم يشأ أن يكتب وصية واضحة، وإنما آثر اللغز، وكأنه يقول لأبنائه تفكروا في كل شيء، ثم ها هم أبناء نزار بن معد يصفون بعيرًا لم يروه وصفًا دقيقًا يجعل صاحبه يظن أنهم سرقوه من أثره، وها هم أيضًا يخبرون بأمور عجيبة لا يعرفها الأفعى الجرهمي، وحتى الأفعى الجرهمي كان حاد الذكاء، ثاقب البصيرة، استطاع أن يفسر وصية نزار بن معد بشكل ممتاز.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

1- مروج الذهب في أخبار من ذهب للمسعودي، الجزء الثاني، ص 90:92، المكتبة العصرية صيدا، الطبعة الأولى.
2- أعلام النبوة للماوردي، ص 215، دار الكتاب العربي بيروت.
3- موسوعة أساطير العرب، للدكتور محمد عجينة، دار الفارابي، الطبعة الأولى، ص 154:157، الجزء الثاني.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى